يتشكل النجاح التعليمي للأبناء في ضوء خلفيتهم الاجتماعية، ما يجعل دعم الوالدين للواجبات المنزلية مهمًا بصفة خاصة للمتعلمين الصغار، ولا يقتصر هذا الدعم على المساعدة التعليمية المباشرة، إذ تتداخل فيه جودة انفعالية تؤثر في تفاعلات الوالدين والأبناء ومن ثم في نتائج الطلاب، فقد يتحول وقت الواجب إلى لحظات متعة وتقارب أو إلى مواقف قلق وغضب متكررة، غير أن المعرفة ما تزال محدودة بالانفعالات التي يعيشها الوالدان أثناء هذا الدعم وبعلاقتها بسمات شخصيتهما، وهي فجوة بحثية تعالجها هذه الدراسة بأداة قياس جديدة
وتبرز الحاجة إلى مثل هذه الأداة في ضوء غياب مقاييس مقننة تلتقط الخبرة الانفعالية للوالدين تحديدًا في سياق الواجب المنزلي، إذ تقاس الانفعالات غالبًا في سياقات عامة لا تعكس خصوصية هذا الموقف اليومي المتكرر وما يثيره من تفاعلات أسرية دقيقة، فكان تطوير مقياس متخصص والتحقق من خصائصه السيكومترية خطوة تأسيسية لأي بحث لاحق في هذا الميدان الناشئ
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تطوير مقياس انفعالات الوالدين المرتبطة بالواجب المنزلي والتحقق من صدقه وثباته وفحص ارتباط انفعالات الوالدين بسمات شخصيتهما، واستطلعت آراء 903 من الوالدين لأبناء في الصف السادس، بلغ متوسط أعمارهم 42.40 عامًا بانحراف معياري قدره 5.60، وشكلت الإناث نسبة 87.4 في المئة منهم وغالبيتهن من الأمهات، وطبق عليهم المقياس الجديد لقياس انفعالاتهم أثناء دعم الواجب، وأبلغ الوالدان كذلك عن سمتي الانفتاح والانبساط من سمات الشخصية وعن خصائص فردية إضافية شملت الجنس والعمر والحالة الاجتماعية وعدد الأبناء في المنزل والمستوى التعليمي وساعات العمل الأسبوعية، وحللت البيانات بالتحليل العاملي الاستكشافي والتوكيدي وبنموذج مسار
ثانيًا: أبرز النتائج
1، دلت نتائج التحليلين العامليين الاستكشافي والتوكيدي على أن مقاييس الأداة الجديدة تتمتع بخصائص سيكومترية سليمة وتلتقط بموثوقية ثلاث انفعالات رئيسة يعيشها الوالدان أثناء دعم الواجب، وهي الاستمتاع والقلق والغضب
2، كشفت الارتباطات الثنائية ونتائج نموذج المسار عن روابط دالة بين انفعالات الوالدين وسمتي الانفتاح والانبساط لديهم، وبينها وبين خصائص فردية إضافية مدروسة في الدراسة
3، ارتبط ارتفاع المستوى التعليمي وزيادة عدد الأبناء في الأسرة وطول ساعات العمل الأسبوعية كل على حدة بخبرات انفعالية أقل إيجابية أثناء دعم الواجب المنزلي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تسلط النتائج الضوء على أن البحث في دعم الوالدين للواجب المنزلي ما يزال في مرحلة مبكرة ويتطلب مزيدًا من التحقيق، كما تقدم للممارسين التربويين والمرشدين الأسريين أداة مقننة لرصد المناخ الانفعالي المصاحب للواجب، بما يساعد على تصميم إرشادات تراعي ظروف الوالدين الضاغطة كازدحام الأبناء وطول ساعات العمل بدل تحميلهم مسؤولية جودة الدعم وحدهم، وتفتح للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في علم النفس التربوي بابًا لتقنين الأداة في بيئات عربية وفحص انفعالات الوالدين عبر مراحل دراسية مختلفة وأثرها في تحصيل الأبناء ودافعيتهم
وتتصل انفعالات الوالدين أثناء الواجب المنزلي بمنظومة أوسع من العلاقات الأسرية المدرسية، إذ لا يحدث الدعم التعليمي في فراغ، بل في نهاية يوم عمل مرهق غالبًا، وتحت ضغط توقعات المدرسة وقلق الوالدين على مستقبل أبنائهم، فتتلون لحظة الواجب بمزاج الطرفين وبطبيعة العلاقة بينهما وبصعوبة المهام ذاتها، ومن هنا فإن فهم هذه الانفعالات مدخل لفهم جانب خفي من التفاوت التعليمي، فالأطفال لا يتلقون كمية دعم متساوية النوعية حتى داخل الأسر المتشابهة اجتماعيًا
ويفتح توفر أداة مقننة لقياس هذه الانفعالات المجال أمام دراسات تربط بين مناخ الواجب الانفعالي ومتغيرات كالدافعية الأكاديمية للأبناء وتحصيلهم وعلاقتهم بالمدرسة، وأمام تدخلات إرشادية تستهدف خفض قلق الوالدين وغضبهم أثناء الواجب عبر تدريبهم على استراتيجيات دعم هادئة وواقعية، وأمام سياسات مدرسية تعيد النظر في حجم الواجبات وطبيعتها بما يخفف الاحتكاك الأسري اليومي دون التفريط في قيمة الممارسة المنزلية للتعلم
وخلاصة القول إن انفعالات الوالدين أثناء دعم الواجب المنزلي خبرة قابلة للقياس الموثوق بثلاثة أبعاد هي الاستمتاع والقلق والغضب، وترتبط بشخصيتهم وظروفهم الحياتية، بما يجعل دعم الوالدين نفسيًا مدخلًا موازيًا لدعم الأبناء تعليميًا








