يقوم إعداد الرياضيين الواعدين في مدارس النخبة الرياضية على تطوير القدرات البدنية والفنية أساسًا، بينما يظل التدريب على المهارات الذهنية جانبًا كثيرًا ما يهمل في منظومات الإعداد رغم مركزيته في الأداء التنافسي، فدافعية الإنجاز ومعتقد الكفاءة الذاتية والثقة بالنفس وضبط الأهداف عوامل تصنع الفارق بين رياضيين متقاربين بدنيًا حين تشتد الضغوط، ويبدأ تشكل هذه العوامل مبكرًا لدى الناشئة الملتحقين بمسارات النخبة، بما يجعل رصد نموها عبر مراحل الانتقاء والأداء ضرورة لتوجيه الإرشاد النفسي الرياضي في توقيته الصحيح
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في سياق التجارب المركزية واختبارات الأداء التي تحدد مسارات الرياضيين الشباب، إذ تتداخل فيها الضغوط النفسية مع فروق الجنس ومستوى الأداء، وتبرز الحاجة إلى ملف نفسي دقيق يميز الرياضيين المتفوقين عن أقرانهم كي تبنى عليه برامج تدخل مستهدفة بدل الإرشاد العام غير المخصص لكل مجموعة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل تطور دافعية الإنجاز ومعتقد الكفاءة الذاتية في سياق مدارس النخبة الرياضية، وشملت 658 رياضيًا ورياضية من الصف الخامس فصاعدًا، منهم 349 أنثى و309 ذكور، شاركوا في التجارب المركزية وتقويمات الأداء في ألعاب القوى لمدارس النخبة الرياضية بين عامي 2016 و2025، ووثقت الدراسة إلى جانب تحليل الأداء البدني والرياضي جوانب دافعية الإنجاز ودوافع الحاجة إلى الإنجاز ومعتقدات الكفاءة الذاتية العامة، وقارنت بين الجنسين وبين مجموعات مستويات الأداء المختلفة عبر اختبارات إحصائية ملائمة لطبيعة البيانات
ثانيًا: أبرز النتائج
1، قيست فروق بين الجنسين في الخوف من الفشل والثقة، وتراوحت أحجام أثرها الصغيرة بين 0.175 و0.25 عند مستويي دلالة بلغا 0.001 و0.026، بما يشير إلى تباين نفسي محدود الحجم لكنه دال إحصائيًا
2، كشف تحليل كروسكال واليس للمجموعات مختلفة مستويات الأداء عن فروق دالة في الانضباط الذاتي عند مستوى دلالة 0.010 وتحديد الأهداف عند مستوى 0.013 والثقة عند مستوى 0.029، وتراوحت أحجام أثر هذه الفروق بين 0.08 و0.14 بما يشير إلى حجم تأثير متواضع
3، اختلف الملف النفسي للرياضيين المتفوقين، المبني على المحددات النفسية للدراسة، اختلافًا دالًا عن ملفات بقية مجموعات الرياضيين عند نقطة القياس الأولى وبمستوى دلالة بلغ 0.001
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توصي الدراسة بتوفير تدريب وإرشاد مناسبين من المدربين والأخصائيين النفسيين الرياضيين، بالنظر إلى أن الثقة وتوقعات الكفاءة الذاتية منبئات رئيسة للأداء البدني والرياضي، بما يعني أن الاستثمار في المهارات الذهنية منذ مراحل الانتقاء المبكرة ليس ترفًا مكملًا بل جزء من صناعة التفوق، وتفيد النتائج إدارات مدارس النخبة والاتحادات الرياضية في بناء برامج دعم نفسي مدمجة في جداول الإعداد، وفي توعية المدربين بقراءة المؤشرات النفسية كالخوف من الفشل وتحديد الأهداف قراءة مبكرة، وتمثل للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في علم النفس الرياضي دعوة لدراسات طولية عربية توثق نمو الدافعية والكفاءة الذاتية لدى الناشئة الرياضيين بموازاة نموهم البدني والفني
وتعرف المهارات الذهنية في علم النفس الرياضي بأنها قدرات معرفية ووجدانية قابلة للتدريب المنهجي، كتحديد الأهداف وتصور الأداء وإدارة القلق وحديث الذات الإيجابي، وقد راكمت الأدبيات أدلة على ارتباطها بالأداء التنافسي والاستمرارية في الممارسة الرياضية، غير أن إدماجها في أنظمة انتقاء الناشئة وإعدادهم ظل متفاوتًا بين الدول والاتحادات، فبعض الأنظمة تعامل التقويم النفسي إجراءً مصاحبًا هامشيًا بينما تجعله أنظمة أخرى معيارًا موازيًا للاختبارات البدنية والمهارية في قرارات الترقية والاستبعاد
وتثير النتائج المتعلقة بفروق الجنسين في الخوف من الفشل والثقة انتباه المرشدين النفسيين العاملين مع الناشئات الرياضيات، إذ قد تحتاج الرياضيات الشابات إلى برامج ثقة ودعم مصممة خصيصًا لخبراتهن التنافسية وسياقاتهن الاجتماعية، لا نسخًا موحدة من برامج الذكور، كما تنبه إلى أن الفروق الصغيرة الحجم على مستوى المجموعات لا تبرر أحكامًا فردية على رياضي بعينه، فالتقويم النفسي السليم يفسر درجات الفرد في ضوء تاريخه وسياقه لا في ضوء متوسطات مجموعته
وخلاصة القول إن المهارات الذهنية، وفي مقدمتها الثقة والكفاءة الذاتية والانضباط وتحديد الأهداف، تميز الرياضيين المتفوقين وتتنبأ بأدائهم، بما يفرض إدماج التدريب الذهني المنهجي في إعداد رياضيي مدارس النخبة منذ وقت مبكر








