فرضت جائحة كورونا تبنيًا سريعًا واسعًا للتعلم الإلكتروني غير المتزامن في التعليم الجامعي، إذ صارت المحاضرات المسجلة والوحدات الرقمية بديلًا رئيسًا عن الحضور التقليدي، غير أن تساؤلات جوهرية ظلت قائمة حول استدامة انخراط الطلاب في هذه الصيغ الرقمية مع مرور الوقت، فهل تبقى مستويات المشاركة على حالها حين يزول ظرف الاستثناء، أم تتراجع تدريجيًا، وهل ينعكس أي تراجع في المشاركة على أداء الطلاب الذين يواصلون التفاعل مع المقرر، وهي أسئلة لا تجيب عنها الدراسات المقطعية التي تلتقط صورة لحظية واحدة
وتزداد أهمية هذه الأسئلة في التعليم الطبي قبل السريري تحديدًا، حيث تتراكم المعارف الأساسية التي تبنى عليها المهارات الإكلينيكية اللاحقة، وحيث يصعب الفصل بين تراجع الحضور الرقمي وتراجع التعلم ذاته إلا ببيانات طولية تتابع أفواجًا متعاقبة بالتصميم التعليمي نفسه، وهو ما سعت هذه الدراسة إلى توفيره عبر رصد امتد لسنوات دراسية متعددة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص اتجاهات المشاركة عبر الزمن في مقرر إلزامي غير متزامن ضمن التعليم الطبي قبل السريري، واعتمدت تصميمًا رصديًا طوليًا شمل أفواجًا متعددة من الفصل الصيفي لعام 2020 حتى الفصل الشتوي لعامي 2025 و2026، وثبتت بنية المقرر طوال فترة الدراسة دون تغيير، إذ تكون من وحدة تعلم بالفيديو واختبار إلزامي للتحقق من المشاركة ولقاء استشاري متزامن اختياري، وقومت الدراسة المشاركة وإتمام الاختبار والأداء والحضور الاستشاري تقويمًا وصفيًا عبر الأفواج المتعاقبة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، شارك في المقرر عبر الأفواج المدروسة 703 طلاب، أتم 628 منهم الاختبار الإلزامي، وتفاوت عدد المشاركين في كل دفعة بين 5 طلاب و85 طالبًا، بينما تراوح عدد الطلاب المؤهلين أصلًا بين 398 و745 طالبًا
2، ظل إتمام الاختبار بين المشاركين مرتفعًا باستمرار عبر جميع الأفواج، وتراوح متوسط درجات الاختبار بين 7.20 و10.00 نقاط، بينما تراوح حضور اللقاء الاستشاري الاختياري المتزامن بين صفر و7 طلاب فقط
3، انخفضت المشاركة الأولية في المقرر مع مرور الوقت انخفاضًا ملحوظًا، في حين بقي إتمام الاختبار والأداء لدى الطلاب المشاركين مستقرين دون تراجع مواز
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكشف هذه النتائج أن التغيرات الزمنية أصابت الانخراط الأولي للطلاب أساسًا لا نتائج تعلم من واصلوا المشاركة، وهي ملاحظة تنبه القائمين على التعليم الرقمي إلى التمييز الدقيق بين مؤشرات المشاركة ومؤشرات الأداء عند تقويم الصيغ غير المتزامنة، فانخفاض أعداد الداخلين إلى المقرر لا يعني بالضرورة تدهور جودة التعلم لدى المتفاعلين، كما توجه الأنظار إلى معالجة حواجز الدخول الأول وجاذبية البداية بدل الاكتفاء بتطوير المحتوى، وتفيد الباحثين العرب في التعليم الطبي وتصميم التعلم الإلكتروني بضرورة بناء مؤشرات تقويم طولية تفصل بين الانخراط والأداء عند الحكم على استدامة المقررات الرقمية
ويتصل مفهوم التعلم غير المتزامن بمنح الطالب حرية الوصول إلى المحتوى التعليمي في الوقت الذي يناسبه وإعادة مراجعته بالوتيرة الملائمة لقدراته، وهو ما يجعله صيغة جاذبة للتعليم الطبي المزدحم بالمقررات، غير أن هذه الحرية ذاتها تنقل عبء تنظيم التعلم إلى الطالب، فتتفاوت قدرات الطلاب على الانخراط الذاتي المستمر دون حضور ملزم أو تفاعل مباشر منتظم، وهو تفاوت يفسر جانبًا من حساسية المشاركة الأولية للزمن والظروف المحيطة بإطلاق المقررات الرقمية
وتفيد هذه الخبرة الطولية مصممي المقررات الرقمية في البيئات الجامعية العربية، إذ تشدد على بناء آليات متابعة مبكرة تنذر بتراجع الدخول إلى المقرر، كلوحات المتابعة والتنبيهات الموجهة للطلاب المتأخرين عن البدء، وعلى تصميم بدايات مشوقة للمقررات تقلل كلفة الخطوة الأولى، كما تؤكد أن تقويم جودة المقرر الرقمي ينبغي أن يستند إلى مؤشرات تعلم المشاركين الفعليين لا إلى أعداد المسجلين وحدها، حتى لا تخفى كفاءة المحتوى خلف أرقام انخراط متراجعة
وخلاصة القول إن مشاركة الطلاب في التعلم غير المتزامن تراجعت عبر السنوات بينما حافظ المشاركون على إتمامهم وأدائهم، بما يجعل تحدي الاستدامة تحدي انخراط ابتدائي يستدعي استراتيجيات تحفيز ومتابعة مبكرة أكثر منه تحدي جودة في المحتوى الرقمي ذاته








