يرتبط التطور المستدام للمتنزهات الغابية ارتباطا وثيقا بصون الموارد الطبيعية وحماية البيئات الطبيعية، ويعد تحفيز الزوار على ممارسة السلوك المؤيد للبيئة تلقائيا داخل الموقع استراتيجية مهمة لتعزيز الاستدامة البيئية، إذ لا يكفي أن تلتزم إدارات المتنزهات بمعايير الحماية ما لم يشارك الزوار أنفسهم في الحفاظ على نظافة المكان وسلامة مكوناته، ومن هنا يبرز سؤال العوامل النفسية التي تدفع الزائر إلى هذا السلوك الطوعي المؤيد للبيئة
وتقدم نظرية شخصية الوجهة السياحية مدخلا واعدا للإجابة عن هذا السؤال، إذ تنسب إلى الأماكن سمات شبيهة بسمات الشخصية الإنسانية يشعر بها الزوار ويتفاعلون معها، كما يوفر نموذج المثير والكائن والاستجابة إطارا تفسيريا يربط بين خصائص الوجهة والحالات النفسية الداخلية للزائر وسلوكه النهائي، غير أن آلية تأثير شخصية متنزه الغابات في السلوك المؤيد للبيئة لدى زواره ظلت بحاجة إلى نمذجة واختبار ميدانيين دقيقين، وتفتح هذه الزاوية بابا لتسويق بيئي أذكى يستثمر الانتماء النفسي للمكان بدل الاكتفاء بالرسائل التوعوية المباشرة واللافتات الإرشادية وحدها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بناء نموذج مفاهيمي يوضح آلية العلاقة بين شخصية الوجهة للمتنزه الغابي والسلوك المؤيد للبيئة لدى زواره، بالاستناد إلى نموذج المثير والكائن والاستجابة ونظرية شخصية الوجهة، وجمع الباحثون سبعمئة وخمسا وثمانين استجابة صالحة في متنزه بانشان الوطني الغابي بمدينة هانغتشو في الصين، وهو متنزه غابي بارز، واستخدموا أساليب بحثية كيفية وكمية معا للكشف عن الأبعاد الكامنة لشخصية الوجهة الغابية ولاختبار النموذج المقترح ميدانيا
وكشفت المرحلة الاستكشافية عن خمسة أبعاد لشخصية المتنزه الغابي هي الأصالة والكفاءة والرقي والإثارة والهدوء، ثم اختبر الباحثون العلاقات بين هذه الأبعاد ومتغيرين وسيطين هما التوافق الذاتي لدى الزائر والارتباط بالمكان، وصولا إلى السلوك المؤيد للبيئة ونواياه، وذلك باستخدام نمذجة المعادلات الهيكلية بطريقة المربعات الصغرى الجزئية
ثانيًا: أبرز النتائج
1، اختلفت أبعاد شخصية المتنزه الغابي في تأثيرها في التوافق الذاتي لدى الزوار وفي ارتباطهم بالمكان، فليس كل بعد من أبعاد الشخصية يعمل بالقوة نفسها أو عبر المسار النفسي نفسه
2، قدمت النتائج دليلا تجريبيا على تأثير التوافق الذاتي والارتباط بالمكان في ممارسة الزوار الفعلية للسلوك المؤيد للبيئة داخل الموقع أثناء الزيارة
3، توسط التوافق الذاتي بصورة دالة العلاقة بين ثلاثة أبعاد للشخصية هي الأصالة والإثارة والهدوء وبين السلوك المؤيد للبيئة لدى الزوار
4، برز الارتباط بالمكان متغيرا وسيطا بين ثلاثة أبعاد للشخصية هي الكفاءة والإثارة والهدوء وبين نية الزوار ممارسة السلوك المؤيد للبيئة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة إسهاما نظريا بنقل نظرية شخصية الوجهة إلى سياق المتنزهات الغابية وتحديد أبعادها الخمسة في هذا السياق، وبإيضاح المسارات النفسية التي يتحول عبرها إدراك الزائر لشخصية المكان إلى سلوك بيئي طوعي، إذ يعمل التوافق الذاتي حين يشعر الزائر بأن المكان يعبر عن ذاته وقيمه، ويعمل الارتباط بالمكان حين تنشأ رابطة وجدانية تدفعه إلى حمايته، ويتيح هذان المساران لإدارات الوجهات الطبيعية فهما أعمق لكيفية استثارة السلوك البيئي المسؤول لدى جمهورها، ويمنح هذا التحديد الدقيق للمسارات إدارات الوجهات مؤشرات عملية لترتيب أولويات التدخل بحسب البعد الأكثر تأثيرا في كل سياق زيارة
وعلى الصعيد التطبيقي يمكن لإدارات المتنزهات والوجهات الطبيعية بناء هويات مكانية واضحة تعزز أبعاد الأصالة والهدوء والإثارة والكفاءة في تجربة الزيارة، وتصميم رسائل تواصلية وتجارب ميدانية تعمق توافق الزائر الذاتي مع المكان وارتباطه الوجداني به، كما تفيد النتائج الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا المهتمين بالسياحة البيئية وإدارة الوجهات الطبيعية في العالم العربي، إذ تقدم نموذجا قابلا للاختبار والتكييف مع المحميات والمتنزهات الوطنية في بيئاتهم المحلية
وخلاصة القول إن شخصية الوجهة في المتنزهات الغابية بأبعادها الخمسة تؤثر في السلوك المؤيد للبيئة لدى الزوار مباشرة وعبر مسارين نفسيين هما التوافق الذاتي والارتباط بالمكان، وإن استثمار هذه الآلية في إدارة الوجهات الطبيعية وتسويقها يمثل طريقا عمليا نحو استدامة بيئية يشارك فيها الزائر شريكا واعيا لا متلقيا سلبيا لقواعد الحماية المفروضة عليه








