يتعرض المسعفون في خدمات الطوارئ الطبية لمعدلات متزايدة من العنف أثناء أداء مهامهم الميدانية، وهو عنف يحمل احتمالات كبيرة للأذى الجسدي والنفسي ويهدد سلامة الكوادر واستمرارية الخدمة الإسعافية، وتعد علامات الخطر إحدى استراتيجيات الحد من هذه المخاطر، إذ توضع العلامة على الفرد أو عنوان سكنه أو رقم هاتفه حين يكون له سجل سابق من السلوك العنيف، فتنبه المسعفين مقدما إلى احتمال التعرض للعنف وتمنحهم فرصة لاتخاذ الاحتياطات المناسبة
وتستند هذه الدراسة إلى عملية إبلاغ مستحدثة عن حوادث العنف مضمنة في سجل رعاية المريض الإلكتروني، وتراجع التقارير المقدمة عبر ثلاثة عشر شهرًا منذ انطلاق العملية لتقويم فاعلية وضع علامات الخطر بوصفها استراتيجية محتملة للحد من مخاطر العنف ضد فرق الإسعاف
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقويم فاعلية علامات الخطر استراتيجية للحد من مخاطر العنف ضد المسعفين، واعتمدت مراجعة لتقارير العنف المقدمة عبر عملية إبلاغ جديدة مضمنة في سجل رعاية المريض الإلكتروني خلال فترة ثلاثة عشر شهرًا منذ بدء العمل بها في فبراير 2021، وعند مراجعة كل تقرير يقرر مشرفو المسعفين إنشاء علامة خطر إذا توقعوا تكرار السلوك العنيف من المريض، وحللت الدراسة نسب وضع العلامات وأسباب عدم وضعها وارتباط وجود العلامة بوقوع العنف في مرات الحضور الإسعافي اللاحقة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، بلغ عدد تقارير العنف المقدمة خلال فترة الدراسة 502 تقرير، وولد مشرفو المسعفين علامات خطر في 20 في المئة من الحالات بواقع 99 علامة
2، لم توضع العلامات في غالبية الحالات إما لأن الحادث وقع في موقع لا يقبل وضع العلامات، أو لأن المشرفين رأوا أن علامة الخطر غير مبررة بناء على تفاصيل التقرير
3، ارتبط وضع علامة الخطر بزيادة خطر التعرض للعنف أثناء الحضور الإسعافي اللاحق، إذ بلغت نسبة الأرجحية 6.21 عند مستوى دلالة أدنى من 0.001
4، أظهرت عملية وضع العلامات قدرة موثوقة على تحديد الأشخاص الذين يحتمل أن يمارسوا العنف تجاه المسعفين، رغم الارتباط المرصود بين العلامة وخطر العنف اللاحق
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
يحمل الارتباط بين علامة الخطر وارتفاع خطر العنف اللاحق دلالة مزدوجة، فهو من جهة يؤكد أن العلامات تلتقط بدقة الفئة الأعلى خطورة ممن يتكرر عنفهم، ومن جهة أخرى يذكر بأن العلامة وحدها لا تكفي للحماية ما لم تقترن ببروتوكولات استجابة عملية كحضور الدعم الأمني وتعديل خطط الزيارة وإطلاع الطاقم على خطط إدارة المخاطر، كما تدعو النتائج إلى مراجعة أسباب عدم وضع العلامات وتوحيد معايير قرارات المشرفين وتوسيع نطاق المواقع القابلة للتعليم، وتفيد الدراسة الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا ومخططي خدمات الإسعاف في البيئات العربية بمنهجية لبناء أنظمة إبلاغ ورصد للعنف ضد الكوادر الصحية وتقويم أثرها
ويندرج العنف ضد المسعفين ضمن ظاهرة أوسع هي العنف ضد العاملين الصحيين التي توثقها دراسات عالمية متنامية في أقسام الطوارئ وخدمات الإسعاف ومراكز الرعاية، وتتعدد دوافعها بين الألم والانتظار الطويل وتأثير المواد المخدرة والاضطرابات النفسية وسوء التواصل، وتترك آثارًا ممتدة في الصحة النفسية للكوادر ومعدلات ترك المهنة وجودة الرعاية المقدمة للمرضى الآخرين، وهو ما يجعل إدارة هذا الخطر أولوية مؤسسية لا مسألة فردية تقع على عاتق المسعف وحده
وتشير الدراسة ضمنيًا إلى حساسية أخلاقية توجب الموازنة بين حماية الطواقم وحق المرضى في الرعاية غير المنقوصة، فعلامة الخطر يجب أن تبقى أداة تنبيه مهنية خاضعة للمراجعة الدورية وضوابط الخصوصية وسلامة البيانات، لا وصمة دائمة تلاحق المريض أو ذريعة لتقليل جودة الاستجابة له، كما يتطلب نجاح النظام تدريبًا مستمرًا للمشرفين على معايير موحدة لوضع العلامات وإزالتها، وربط قاعدة العلامات بأنظمة الإرسال الميداني لتظهر التنبيهات للطاقم في الوقت المناسب
وخلاصة القول إن علامات الخطر تحدد بموثوقية المرضى المحتمل عنفهم تجاه المسعفين، غير أن حماية فرق الإسعاف تتطلب تجاوز التنبيه إلى إجراءات وقائية مرافقة، وإن تطوير معايير وضع العلامات وتوسيع تغطيتها يعزز قيمة هذه الاستراتيجية في الحد من مخاطر العنف








