شهدت خدمات الرعاية الصحية عن بعد توسعًا ملحوظًا في المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت الاستشارات الافتراضية عبر الهاتف والفيديو قناة رئيسة للوصول إلى الخدمات الطبية، غير أن الدراسات الوطنية الشاملة لآراء المرضى في هذه الخدمات والعوامل المؤثرة في تصوراتهم ورضاهم كانت غائبة، وهو ما يجعل تقييم تجربة المستفيدين خطوة ضرورية لتطوير الخدمة وتوجيه استثمارات التحول الرقمي الصحي
وتقدم هذه الدراسة صورة وطنية شاملة لآراء المرضى السعوديين في الاستشارات الافتراضية، وتحدد الفئات الأقل رضا عن التجربة وخصائص الاستشارات المرتبطة بانخفاض الرضا، بما يزود صانعي السياسات الصحية ومقدمي الخدمة بأدلة عملية حول أولويات التحسين والتوسع المستقبلي في الطب الاتصالي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى التعرف على آراء المرضى في الاستشارات الافتراضية في المملكة العربية السعودية والعوامل المرتبطة بتصوراتهم ورضاهم، واعتمدت تصميمًا مقطعيًا استباقيًا شمل بالغين من عموم السكان كانت آخر مراجعة لهم لممارس صحي عبر موعد افتراضي، واستقطب المشاركون بأسلوب المعاينة الملائمة من مختلف مناطق المملكة خلال الفترة من نوفمبر 2023 إلى يناير 2024، وأكمل المشاركون استبانة جمعت بيانات ديموغرافية أساسية ومعلومات عن الاستشارة الافتراضية، إلى جانب تقييم تقديم خدمة الصحة عن بعد وتقنيتها استنادًا إلى استبانة قابلية استخدام الصحة عن بعد المعتمدة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، بلغ عدد المشاركين 916 فردًا، وشكلت الإناث 53.7 في المئة منهم، وبلغ متوسط أعمارهم 47.2 سنة بانحراف معياري قدره 14.1 سنة
2، حضر نحو نصف المشاركين مواعيد في الرعاية الأولية، بينما توزع الباقون على مجموعة من التخصصات في المستشفيات
3، فضل أكثر من 90 في المئة من المشاركين الموعد الافتراضي على الزيارة الحضورية، وأجري نحو نصف الاستشارات عبر الهاتف ونحو ثلثها عبر مكالمات فيديو من خلال منصات وفرتها المستشفيات
4، رأى أكثر من 90 في المئة من المشاركين أن المواعيد الافتراضية مفيدة ومريحة وسهلة الاستخدام وفعالة وموثوقة وأثمرت تفاعلًا سريريًا موفقًا، وأعرب 97.4 في المئة عن رضاهم عن تجربة الاستشارة عن بعد رغم الانقطاعات التقنية
5، كان الأقل رضا عن استشاراتهم الافتراضية هم الأصغر سنًا وسكان المناطق الحضرية ومراجعو العيادات التخصصية ومن راجعوا أخصائيًا نفسيًا ومن يفضلون المواعيد الحضورية ومن أجريت استشاراتهم عبر الهاتف
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تمنح هذه النتائج زخمًا للاستمرار في خدمات الصحة عن بعد وتوسيعها في المملكة، ولا سيما عبر مكالمات الفيديو التي ترتبط بتجربة أفضل من الاستشارات الهاتفية، مدعومة بمبادرات تعليمية ترفع وعي المرضى ومهاراتهم الرقمية، كما تستدعي النتائج عناية خاصة بالفئات الأقل رضا عبر تحسين تجربة العيادات التخصصية والخدمات النفسية عن بعد ومعالجة الانقطاعات التقنية، وتقدم الدراسة للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا نموذجًا لدراسات تقييم الخدمات الصحية الرقمية على مستوى وطني، وتفتح الباب لدراسات لاحقة تربط رضا المرضى بالنواتج السريرية الفعلية وبكلفة الخدمة
وتأتي هذه الدراسة في سياق التحول الرقمي الشامل الذي يشهده القطاع الصحي السعودي ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، إذ تتوسع المنصات الصحية الرقمية وتتكامل سجلات المرضى إلكترونيًا، ويصبح رضا المستفيدين مؤشرًا محوريًا لنجاح هذا التحول، كما تسلط الدراسة الضوء على مفارقة لافتة تتمثل في أن الأصغر سنًا وسكان الحضر، وهم الأكثر إلفة بالتقنية في العادة، كانوا الأقل رضا، وهو ما قد يعكس ارتفاع سقف توقعاتهم من الخدمات الرقمية وحساسيتهم الأكبر تجاه الانقطاعات التقنية وبطء الاستجابة
وتدعو النتائج مقدمي الخدمة إلى الاستثمار في جودة الاتصال المرئي واستقراره، وتدريب الممارسين الصحيين على مهارات التواصل عن بعد وإدارة اللقاء الافتراضي، وتصميم مسارات خاصة للعيادات التخصصية والخدمات النفسية تراعي طبيعتها الحوارية والحساسة، إلى جانب حملات توعية تساعد المرضى على اختيار نمط الاستشارة الأنسب لحالتهم والاستعداد التقني لها قبل الموعد
وخلاصة القول إن المرضى في المملكة العربية السعودية يقبلون الاستشارات الافتراضية ويرضون عنها بدرجة عالية، وإن التوسع في مكالمات الفيديو ومعالجة عوامل انخفاض الرضا لدى فئات محددة يمثلان أولوية لتطوير خدمات الطب الاتصالي مستقبلًا








