يعد الذكاء الاصطناعي من أسرع مجالات البحث الصحي نموًا في القطاع الصحي اليوم، ومن ثم تبرز أهمية التعرف على مدى إلمام طلبة الدراسات العليا في العلوم الصحية بتطبيقاته في البحث العلمي واتجاهاتهم نحوها وممارساتهم الفعلية لها، ويهم هذا الموضوع الباحثين العرب وطلبة الدراسات العليا في المنطقة إذ تتسارع وتيرة دخول أدوات الذكاء الاصطناعي إلى البحث الأكاديمي العربي، وتحتاج الجامعات إلى قراءة واقعية لمواقف طلبتها ومخاوفهم وتجاربهم قبل وضع سياسات وبرامج تدريبية تحكم هذا الاستخدام وتوجهه نحو ممارسات رشيدة ومسؤولة، وتثير هذه الأدوات في الوقت نفسه أسئلة مهنية وأخلاقية حول الملكية الفكرية وصدق المخرجات وحدود الاعتماد المشروع عليها في كتابة البحوث وتحليل بياناتها، وهي أسئلة تجعل مواقف طلبة الدراسات العليا منها مؤشرًا مهمًا على جاهزية المنظومات الجامعية لاستيعابها بصورة رشيدة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
صممت الدراسة ونفذت لاستكشاف آراء طلبة الدراسات العليا في العلوم الصحية في باكستان حول توظيف الذكاء الاصطناعي في البحث، واعتمدت مسحًا تحليليًا مقطعيًا واستبانة معتمدة ومحكمة طلبت آراء الطلبة في إلمامهم واتجاهاتهم وممارساتهم، وقيست الثباتية بطريقة الاختبار وإعادة الاختبار، واستخدم التحليل العاملي الاستكشافي لتقويم الصدق البنائي لمقياسي الاتجاهات والممارسة في الاستبانة إلى جانب إجراء التحليل العاملي التوكيدي، واستخدم اختبار فيشر الدقيق غير المعلمي للكشف عن أي ارتباطات دالة بين البنود وخصائص الطلبة، وأجري اختبار قبلي على 20 طالبًا للتحقق من ملاءمة الاستبانة وقابليتها للقراءة فلم تشر أي تغذية راجعة وردت إلى حاجة لإجراء تعديلات عليها، وروعي في بناء الاستبانة أن تغطي أبعادًا ثلاثة هي الإلمام بأدوات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاتها البحثية، والاتجاهات نحو فوائدها ومخاطرها المحتملة، والممارسات الفعلية لاستخدامها في مراحل البحث المختلفة من توليد الأفكار إلى الكتابة والتحليل
ثانيًا: أبرز النتائج
1، بلغ معامل الارتباط داخل الفئة لدرجات الاختبار وإعادة الاختبار 0.924، وكشف التحليل العاملي لمقياس الاتجاهات والممارسة عن عامل مشترك واحد تجاوزت جميع تشبعاته 0.40، وتراوح معامل ألفا كرونباخ بين 0.811 و0.866، واستجاب للاستبانة ما مجموعه 257 طالبًا من طلبة الدراسات العليا في العلوم الصحية
2، أفاد 64 في المئة من الطلبة بعدم تلقي أي تدريب رسمي في الذكاء الاصطناعي، بينما خطط 76 في المئة منهم لدمج الذكاء الاصطناعي في أبحاثهم مستقبلًا، ووافق أو وافق بشدة 93 في المئة منهم على فائدة الذكاء الاصطناعي في البحث الأكاديمي
3، وافق أو وافق بشدة نحو 60 في المئة من الطلبة على أن الذكاء الاصطناعي سيحدث تحولًا في الرعاية الصحية والبحث السريري، بينما اعتقد نصف الطلبة أن أدوات الذكاء الاصطناعي لن تحل محل الباحثين أنفسهم
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
خلصت الدراسة إلى أن طلبة الدراسات العليا في العلوم الصحية لديهم رأي إيجابي تجاه الذكاء الاصطناعي ويقرون بإمكاناته في تحسين حل المشكلات والبحث العلمي، غير أن مخاوف جدية قائمة لديهم بشأن التبعات الأخلاقية لاستخدامه ودقة مخرجاته وإحلال الوظائف، وأيد غالبية الطلبة إدخال التدريب على الذكاء الاصطناعي الذي يبدو نقصًا حاليًا في مناهج العلوم الصحية في باكستان، ولتوسيع استخدام بحوث الرعاية الصحية المدعومة بالذكاء الاصطناعي تلزم استراتيجية متعددة الأوجه تعالج قضايا محددة وتقدم تدريبًا مخصصًا وتضمينًا تعليميًا منهجيًا، وهي دلالات تصلح للاستفادة منها في الجامعات العربية التي تواجه فجوة تدريبية مشابهة وتحتاج إلى معالجة المخاوف الأخلاقية لدى طلبتها بموازاة بناء مهاراتهم في التوظيف المسؤول لهذه الأدوات، كما تستدعي المخاوف المتعلقة بالدقة وضع ضوابط تحقق بشري من مخرجات هذه الأدوات قبل اعتمادها في البحوث، وتستدعي المخاوف الأخلاقية مواثيق جامعية واضحة تحدد الاستخدامات المشروعة وغير المشروعة لها في البحث العلمي والنشر الأكاديمي
وخلاصة القول إن طلبة الدراسات العليا في العلوم الصحية بباكستان يرحبون بالذكاء الاصطناعي في البحث ويخطط غالبهم لتوظيفه مستقبلًا رغم غياب التدريب الرسمي عن أكثرهم، ما يجعل إدخال تدريب متخصص ومعالجة المخاوف المتعلقة بالأخلاقيات والدقة شرطًا لتوسيع هذا التوظيف بصورة رشيدة








