أدى التوسع في أنظمة التعلم الإلكتروني المفتوح عن بعد عبر بلدان جنوب العالم إلى تحول عميق في سبل الوصول إلى برامج إعداد المعلمين، غير أن هذا التحول لم يواكبه ابتكار بيداغوجي مواز في أساليب الإعداد ذاتها، فعلى الرغم من مركزية التقنيات الرقمية في بيئات التعلم عن بعد، فإن دمج التقنية في إعداد معلمي الرياضيات قبل الخدمة ما يزال هامشيًا إلى حد كبير، إذ يعامل غالبًا مكوّنًا اختياريًا أو إضافيًا بدل أن يكون عنصرًا مؤسسًا في صلب العملية التربوية
وينبع من هذا التفاوت بين مركزية التقنية في الوسيط التعليمي وهامشيتها في الإعداد سؤال جوهري عن جاهزية معلمي المستقبل لتوظيف الأدوات الرقمية في تدريس الرياضيات توظيفًا بيداغوجيًا فعالًا، وهو سؤال يمس جودة التعليم الرياضي في بلدان نامية كثيرة تعتمد بصورة متزايدة على التعلم عن بعد، ويهم الباحثين العرب في تقنيات التعليم وإعداد المعلم نظرًا لتشابه التحديات البنيوية في المنطقة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه المقالة إلى مساءلة هذا التفاوت بين حضور التقنية هامشيًا في الإعداد ومركزيتها في بيئة التعلم عن بعد، والدفع نحو إعادة تصور دمج التقنية عنصرًا تأسيسيًا في إعداد المعلمين، وقد تبنت المقالة منهجًا تحليليًا مفاهيميًا وتأمليًا، فهي مقالة لبناء النظرية والتحليل المفاهيمي لا تحقيق تجريبي ميداني، واستندت إلى الأدبيات المعاصرة في تقنيات التعليم والشمول الرقمي وتعليم الرياضيات لتحليل الأطر القائمة وبيان حدودها واقتراح بديل مفاهيمي أكثر حساسية للسياق
ثانيًا: أبرز النتائج
خلص التحليل المفاهيمي إلى مجموعة من الاستنتاجات حول حدود الأطر القائمة وملامح الإطار البديل المقترح ومتطلبات تفعيله، ويمكن إجمال أبرز النتائج في النقاط الآتية
1، يعد إطار المعرفة التقنية التربوية للمحتوى المعروف بتيباك ضروريًا لفهم دمج التقنية، لكنه غير كاف لتفسير هذا الدمج في سياقات التعلم عن بعد، نظرًا لمحدودية تناوله للأبعاد البنيوية والتخصصية المؤثرة في هذه البيئات
2، تقترح المقالة إطارًا سياقيًا لدمج التقنية يجمع بين خمسة عناصر هي الوصول إلى التقنية والدعم المؤسسي وبيئة التعلم عن بعد والكفاءة البيداغوجية الرقمية وتوسيط المحتوى الرياضي، بوصفها منظومة متكاملة توجه تحليل الممارسات القائمة وتطويرها
3، تحد المناهج المجزأة وقلة النمذجة البيداغوجية من جانب معدي المعلمين وأوجه عدم المساواة البنيوية من إمكانات الدمج المجدي للتقنية في برامج إعداد معلمي الرياضيات قبل الخدمة
4، تتطلب إعادة تموضع دمج التقنية ليصبح العمود الفقري لإعداد المعلمين مواءمة منهجية شاملة عبر السياسات والمناهج والممارسات، لا مجرد إضافة مقررات تقنية معزولة إلى خطط الدراسة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تسهم هذه الدراسة نظريًا في تقديم نموذج حساس للسياق وخاص بالتخصص لدمج التقنية في إعداد المعلمين بأنظمة التعلم عن بعد، وتوفر أساسًا للبحوث التجريبية والتصميمية المستقبلية في هذه الأنظمة، ويمكن لمطوري برامج إعداد المعلمين وصناع السياسات في بلدان جنوب العالم والمنطقة العربية أن يستفيدوا من الإطار المقترح في إعادة هيكلة خطط إعداد معلمي الرياضيات بحيث تتكامل عناصر الوصول والدعم المؤسسي والكفاءة الرقمية وتوسيط المحتوى، بدل معالجة التقنية إضافة هامشية، كما تنبه الدراسة إلى أن معالجة أوجه عدم المساواة البنيوية شرط مسبق لأي دمج تقني ذي معنى
ويتقاطع موضوع هذه المقالة مع قضايا الشمول الرقمي والعدالة في الوصول إلى فرص تعليمية جيدة، إذ إن إعداد المعلمين في أنظمة التعلم عن بعد ليس نشاطًا تقنيًا محايدًا بل يتشكل بظروف البنية التحتية والموارد المؤسسية والسياسات الوطنية، ومن هنا تبرز الحاجة إلى أطر مفاهيمية لا تستنسخ النماذج الغربية بصورة آلية بل تعيد بناءها بما يناسب واقع بلدان الجنوب، وهو تحد يواجه كليات التربية العربية أيضًا وهي تطور برامجها للتعلم الإلكتروني بعد التحولات المتسارعة التي فرضتها التجارب العالمية الحديثة في التعليم الطارئ والنظامي
وخلاصة القول إن دمج التقنية في إعداد معلمي الرياضيات قبل الخدمة بأنظمة التعلم الإلكتروني عن بعد ينبغي أن ينتقل من موقع الهامش والخيار إلى موقع الركيزة والعمود الفقري، عبر إطار سياقي يراعي الأبعاد البنيوية والتخصصية ومواءمة شاملة بين السياسات والمناهج والممارسات








