يستمر العنف القائم على النوع الاجتماعي في البيئات التعليمية عبر جنوب شرق آسيا بوصفه مشكلة مقلقة تمس سلامة المتعلمين وكرامتهم، ومع ذلك تبقى منظورات القيادات الدينية النسائية داخل المدارس الداخلية الإسلامية في إندونيسيا المعروفة بالبيسانترين غائبة إلى حد كبير عن الخطاب العلمي، على الرغم من المكانة المركزية التي تحتلها هؤلاء القيادات المعروفات بالنياي في حياة هذه المؤسسات التربوية والدينية وفي تشكيل قيم المقيمين فيها وسلوكهم اليومي
وتبرز أهمية هذه الدراسة في إتاحتها المجال لأصوات النياي أنفسهن للحديث عن كيفية فهمهن للعنف القائم على النوع الاجتماعي وسبل منعه من داخل التراث الإسلامي ذاته، بما يقدم موردًا محليًا أصيلًا لمعالجة هذه القضية دون استيراد حلول منفصلة عن السياق الثقافي والديني، وهو ما يهم الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في التربية والدراسات الإسلامية والاجتماعية، إذ تتشابه سياقات المدارس الدينية في العالم الإسلامي في كثير من التحديات والفرص
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة النوعية إلى إبراز أصوات النياي بوصفهن قيادات للمدارس الداخلية الإسلامية واستكشاف منظوراتهن حول منع العنف القائم على النوع الاجتماعي، وقد أجريت مقابلات معمقة مع أربع من النياي ينتمين إلى مؤسسات مختلفة عبر جزيرة جاوة، واستند التحليل الموضوعي للمقابلات إلى أطر نظرية هي عدالة النساء الأصيلة والنسوية المؤسسية ونظرية التنشئة الوقائية، وشملت العينة إحدى النياي من الجيل الأصغر بما أتاح إضاءة التحولات الجيلية في مقاربة قضية المنع وأشكال المقاومة الداخلية ومبادرات الإصلاح الاستراتيجية
ثانيًا: أبرز النتائج
كشف التحليل الموضوعي للمقابلات عن ستة موضوعات رئيسة تعكس رؤية النياي الشاملة لمنع العنف القائم على النوع الاجتماعي داخل مدارسهن، ويمكن إجمال أبرز النتائج في النقاط الآتية
1، تستند مقاربات المنع لدى النياي إلى أسس شرعية متجذرة في مقاصد الشريعة، إذ يستحضرن مقاصد الشريعة الكبرى إطارًا دينيًا لمقاومة العنف وتجريمه داخل المؤسسة التربوية وحماية من اؤتمن على رعايتهن
2، تتجلى الوقاية في ممارسات يومية تغرس الاحترام المتبادل بين المقيمين عبر دراسة النصوص الكلاسيكية التراثية وتوظيفها في بناء ثقافة مدرسية ترفض الإيذاء وتقدر كرامة الإنسان
3، حددت النياي مخاطر بنيوية تسهم في وقوع العنف منها اختلالات موازين القوة داخل المؤسسة وفجوات الرقابة والإشراف، كما أعدن تصور علاقات القوة عبر مفهوم الطاعة القائمة على المحبة بدل الخوف والإكراه، وواجهن في المقابل تحديات منها الأقدمية السامة والتوترات بين الأجيال، وقدمن رؤى طموحة لتحويل البيسانترين إلى مختبرات للسلام
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبين هذه الدراسة أن النياي يصغن مقاربات للمنع تمثل نسوية إسلامية محلية الأصالة، إذ يوفرن موارد محلية أصيلة لمعالجة العنف القائم على النوع الاجتماعي مع الحفاظ على الوفاء للتقاليد الإسلامية، وتسهم النتائج في فهم كيفية تنقل القيادات الدينية النسائية في السياقات الآسيوية بين التراث والتحول لحماية من اؤتمن على رعايتهم من الطلاب، ويمكن للمؤسسات التعليمية الدينية في العالم العربي أن تستلهم هذه التجربة في بناء سياسات وقائية تنبع من مرجعيتها الشرعية ذاتها، وفي تمكين القيادات النسائية من أداء أدوار أوسع في حماية المتعلمين وترسيخ ثقافة الاحترام داخل المدارس
وتكتسب أصوات القيادات الدينية النسائية أهمية مضاعفة في ضوء ندرة الدراسات التي تنطلق من داخل المؤسسات الدينية ذاتها في معالجة قضايا العنف والحماية، إذ غالبًا ما تفرض الحلول من خارج هذه المؤسسات فتصطدم بمقاومة ثقافية وتنظيمية تحد من أثرها، بينما تنبع مقاربات النياي من شرعية دينية ومجتمعية راسخة تمنحها قابلية للاستمرار والانتشار، وهو ما يلفت نظر الباحثين إلى ضرورة توثيق المعارف المحلية والممارسات الوقائية الأصيلة والبناء عليها في تطوير برامج حماية تراعي خصوصية كل سياق ديني وتربوي
وخلاصة القول إن أصوات النياي تقدم نموذجًا محليًا أصيلًا لمنع العنف القائم على النوع الاجتماعي يجمع بين الأسس المقاصدية الشرعية والممارسات اليومية وإصلاح علاقات القوة داخل المدرسة الدينية، بما يثري الفهم العلمي لأدوار القيادات الدينية النسائية ويوجه جهود الحماية في البيئات التعليمية المشابهة








