تخلف الحروب آثارًا نفسية واسعة تتجاوز ساحات القتال إلى المدنيين الذين يتعرضون للتهديد والنزوح وفقدان الأحبة والممتلكات، وقد أفرزت هجمات السابع من أكتوبر عام ألفين وثلاثة وعشرين والحرب التي تلتها أزمة صحة نفسية واسعة النطاق ارتفع معها الطلب على خدمات الدعم النفسي بصورة فاقت قدرة العيادات التقليدية، وفي هذا السياق برز العلاج المعرفي السلوكي عبر الإنترنت خيارًا متاحًا وملائمًا يتيح الوصول إلى المعالجين من أي مكان ويختصر زمن الانتظار، غير أن خصائص الأفراد الذين يطلبون هذا النوع من الخدمة في زمن الحرب ودرجة ضائقتهم النفسية والعوامل المرتبطة بشدتها ما تزال بحاجة إلى توصيف منهجي يفيد في تخطيط خدمات الطوارئ النفسية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى توصيف الأفراد الذين طلبوا العلاج المعرفي السلوكي عبر الإنترنت خلال الحرب من حيث خصائصهم الاجتماعية والديموغرافية وتعرضاتهم المرتبطة بالحرب وضائقتهم النفسية المبلغ عنها ذاتيًا، وتقويم الارتباطات بين خصائص الفئات الفرعية وشدة الضائقة النفسية، واعتمدت تحليل بيانات السجلات الطبية الإلكترونية لمدنيين تواصلوا مع عيادة افتراضية للعلاج المعرفي السلوكي في مركز طبي كبير خلال الفترة بين نوفمبر عام ألفين وثلاثة وعشرين وأغسطس عام ألفين وأربعة وعشرين، إذ توافرت البيانات الديموغرافية والتاريخ النفسي والتعرضات الحربية لدى خمسمائة وعشرين بالغًا، بينما أكمل مائة وتسعة وتسعون منهم استبيانات نفسية مقننة قاست الأعراض الشديدة لاضطراب ما بعد الصدمة والقلق والاكتئاب
ثانيًا: أبرز النتائج
1، مثل طالبو الخدمة عبر الإنترنت خلال الحرب فئة متنوعة من حيث الخلفيات الاجتماعية والديموغرافية، إذ تباينت أعمارهم ومستويات تعليمهم وأوضاعهم الوظيفية وأماكن إقامتهم وتجاربهم المرتبطة بالحرب، بما يشير إلى أن الخدمة الافتراضية وصلت إلى شرائح سكانية واسعة لا إلى فئة اجتماعية ضيقة بعينها
2، لوحظت معدلات مرتفعة من الأعراض النفسية الشديدة بين المستجيبين للاستبيانات، إذ سجلت نسبة 62.3 في المئة درجات بلغت ستًا وثلاثين فأعلى على مقياس اضطراب ما بعد الصدمة، واستوفت نسبة 43.2 في المئة معايير القلق الشديد، ونسبة 20.1 في المئة معايير الاكتئاب الشديد، بما يعكس عبئًا نفسيًا ثقيلًا لدى طالبي الخدمة يستدعي تدخلًا علاجيًا متخصصًا ومستمرًا
3، أظهر النموذج متعدد المتغيرات أن النازحين كانوا في خطورة مرتفعة بدلالة إحصائية للإصابة باضطراب ما بعد الصدمة بنسبة أرجحية بلغت 6.33، ولأعراض القلق بنسبة أرجحية بلغت 4.67، ولأعراض الاكتئاب بنسبة أرجحية بلغت 2.97، كما ارتبط تاريخ التعرض لصدمات شخصية سابقة بارتفاع خطورة الأعراض الشديدة في المجالات الثلاثة جميعها، بما يحدد فئتين فرعيتين أولى بالاستهداف المبكر والمتابعة المكثفة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز هذه النتائج أهمية توافر رعاية نفسية ميسورة الوصول في أوقات الحروب والأزمات، وتدل على أن التدخلات عبر الإنترنت قادرة على بلوغ فئات متنوعة الخلفية ومتباينة التعرض للصدمات، بما يدعم جدواها وإمكان إتاحتها في حالات الطوارئ، كما يزود تحديد معدلات الشدة المرتفعة والفئات الأعلى خطورة، كالنازحين وذوي تاريخ الصدمات الشخصية، مخططي الخدمات الصحية بمعلومات قيمة للاستعداد المستقبلي وتوزيع الموارد العلاجية، وتفيد هذه الدروس سياقات عربية تتعرض بدورها لأزمات ونزاعات متكررة، إذ يمكن للباحثين وصناع القرار العرب الاستفادة من نموذج العيادات الافتراضية في توسيع تغطية الدعم النفسي عن بعد وبناء سجلات منهجية لرصد الضائقة النفسية لدى المدنيين زمن الأزمات، ويضاف إلى ذلك أن توثيق تجارب تقديم العلاج النفسي عبر الإنترنت في أثناء الأزمات يمنح الباحثين مادة مقارنة ثمينة لفهم كيفية تكيف أنظمة الرعاية النفسية مع الصدمات الجماعية، وكيفية تغير أنماط طلب المساعدة لدى السكان حين تتقيد الحركة وتتعطل الخدمات الحضورية وتتسع الحاجة إلى بدائل رقمية آمنة وفعالة وسريعة الاستجابة
وخلاصة القول إن مستخدمي العلاج المعرفي السلوكي عبر الإنترنت خلال الحرب أظهروا مستويات مرتفعة من الضائقة النفسية تنوعت شدتها باختلاف التعرضات والخصائص، وإن الخدمات الافتراضية أثبتت قدرة عملية على الوصول والدعم في زمن الأزمة، وتقدم الدراسة بذلك أساسًا معرفيًا لتحسين الجاهزية النفسية للطوارئ وتوجيه الموارد نحو الفئات الأشد احتياجًا








