يشهد العالم الجامعي انتشارًا متسارعًا لمقاطع الفيديو القصيرة بوصفها شكلًا مهيمنًا من أشكال المحتوى الرقمي، إذ تجذب الطلاب بزخمها البصري وقصر مدتها وقدرتها على الإشباع الفوري للفضول والترفيه، غير أن هذا الانجذاب قد يتجاوز حدود الاستخدام المعتدل ليتحول عند بعضهم إلى نمط إدماني يتسم بفقدان السيطرة على وقت المشاهدة وصعوبة التوقف عنها رغم إدراك آثارها السلبية في التحصيل الدراسي وجودة النوم والعلاقات الاجتماعية والصحة النفسية، ومن هنا تبرز الحاجة إلى تحديد العوامل الوقائية القابلة للتعزيز داخل البيئة الجامعية وفحص الآليات النفسية التي تفسر قدرة بعض السلوكيات الصحية على حماية الطالب من الانزلاق نحو الاستخدام القهري للمنصات الرقمية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص العلاقة بين النشاط البدني وإدمان مقاطع الفيديو القصيرة لدى طلاب الجامعة، مع التركيز خصوصًا على الدورين الوسيطين للكفاءة الذاتية والشعور بالوحدة، واعتمدت تصميمًا وصفيًا مقطعيًا قائمًا على المسح، إذ جمعت البيانات من عينة قوامها خمسمائة وواحد وثمانون طالبًا وطالبة يدرسون في ثلاث جامعات، واستخدمت مقاييس مقننة لقياس مستوى النشاط البدني والكفاءة الذاتية والشعور بالوحدة وإدمان مقاطع الفيديو القصيرة، مع إدخال متغيرات ديموغرافية ضابطة شملت العمر والسنة الدراسية ونوع التخصص بين علمي وغير علمي والخلفية الحضرية أو الريفية، وحللت البيانات باستخدام برامج التحليل الإحصائي وأداة معالجة الوساطة وفق نموذجها السادس الخاص بالوساطة المتسلسلة، مع اختبار دلالة الآثار غير المباشرة بأسلوب إعادة المعاينة بعدد خمسة آلاف عينة وبفترات ثقة عند مستوى خمسة وتسعين في المئة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، ارتبط النشاط البدني ارتباطًا موجبًا بالكفاءة الذاتية وارتباطًا سالبًا بكل من الشعور بالوحدة وإدمان مقاطع الفيديو القصيرة، بما يعني أن الطلاب الأكثر نشاطًا بدنيًا يتمتعون بثقة أعلى بقدراتهم على الإنجاز وضبط السلوك، ويشعرون بوحدة أقل، وينخفض لديهم الانخراط الإدماني في مشاهدة المقاطع القصيرة مقارنة بأقرانهم الأقل نشاطًا
2، ارتبطت الكفاءة الذاتية ارتباطًا سالبًا بكل من الشعور بالوحدة وإدمان مقاطع الفيديو القصيرة، بينما ارتبط الشعور بالوحدة ارتباطًا موجبًا بالإدمان، وهو ما يرسم مسارًا نفسيًا متماسكًا يبدأ من ضعف الثقة بالذات ويمر بتزايد الإحساس بالعزلة الاجتماعية وينتهي بالبحث عن إشباع فوري في المحتوى الرقمي القصير المتدفق بلا توقف
3، أظهرت تحليلات الوساطة أن النشاط البدني خفض إدمان مقاطع الفيديو القصيرة بصورة مباشرة بمعامل تأثير بلغ سالب 0.074 وبصورة غير مباشرة عبر الكفاءة الذاتية والشعور بالوحدة، بما في ذلك مسار وساطة متسلسلة ينتقل فيه الأثر من النشاط البدني إلى الكفاءة الذاتية ثم إلى الوحدة ثم إلى الإدمان، وبلغ إجمالي الأثر غير المباشر سالب 0.0330 بفترة ثقة تراوحت بين سالب 0.0502 وسالب 0.0179، وهو ما يعادل 30.8 في المئة من الأثر الكلي للعلاقة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفتح هذه النتائج آفاقًا تطبيقية مهمة أمام الجامعات والمختصين في الإرشاد النفسي، إذ يمكن تصميم برامج وقائية تجمع بين تشجيع النشاط البدني المنتظم داخل الحرم الجامعي وتعزيز الكفاءة الذاتية لدى الطلاب عبر التدريب على إدارة الوقت وضبط الذات، إلى جانب أنشطة اجتماعية تحد من الشعور بالوحدة وتوفر بدائل واقعية للترفيه الرقمي، كما تفيد النتائج الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في فهم إدمان المنصات الرقمية بوصفه ظاهرة نفسية متعددة المسارات لا مجرد عادة تقنية عابرة، وتدعو في الوقت نفسه إلى دراسات طولية وتجريبية تختبر فاعلية التدخلات الحركية والنفسية المتكاملة لدى فئات طلابية متنوعة وفي سياقات ثقافية مختلفة
وخلاصة القول إن النشاط البدني يمثل عاملًا وقائيًا مؤثرًا في مواجهة إدمان مقاطع الفيديو القصيرة لدى طلاب الجامعة، إذ يخفضه بأثر مباشر وبآثار غير مباشرة تنتقل عبر رفع الكفاءة الذاتية وتقليل الشعور بالوحدة في مسار وساطي متسلسل دال إحصائيًا، وتقدم الدراسة بذلك نموذجًا تفسيريًا متكاملًا يمكن أن تستند إليه الجامعات العربية في بناء بيئات جامعية أكثر صحة من الناحيتين النفسية والرقمية








