يكتسب تحسين كفاءة الاستخدام الأخضر للأراضي الحضرية أهمية متزايدة في سياق استراتيجية الصين للحماية البيئية والتنمية عالية الجودة في حوض النهر الأصفر، إذ يمثل ركيزة للتوفيق بين صون البيئة وكفاءة الموارد والتنمية الإقليمية المنسقة، غير أن فهم التفاوت المكاني في هذه الكفاءة وكيفية تطوره عبر الزمن ما يزال محدودًا، وهو ما تسعى هذه الدراسة إلى معالجته بمنهجية كمية متعددة الأدوات تجمع بين قياس الكفاءة وتفكيك الفوارق وتتبع انتقالات الحالات
وتواجه المدن الصينية، كغيرها من مدن العالم، معضلة مزدوجة تتمثل في التوسع العمراني المتسارع على حساب الأراضي الزراعية والنظم البيئية من جهة، وضرورة رفع إنتاجية الأرض الحضرية القائمة بدل استنزاف أراض جديدة من جهة أخرى، ولهذا غدا مفهوم كفاءة الاستخدام الأخضر للأرض إطارًا جامعًا يقيس قدرة المدينة على تحقيق قيمة اقتصادية واجتماعية مرتفعة بمدخلات أرضية وطاقية محدودة وبانبعاثات وملوثات أقل، وهو ما يجعله مؤشرًا مركزيًا في تقويم جودة التنمية الحضرية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى قياس كفاءة الاستخدام الأخضر للأراضي الحضرية وتحليل تفاوتاتها المكانية وتطورها الديناميكي، فاستخدمت بيانات 64 مدينة موزعة على سبعة تجمعات حضرية خلال الفترة من 2012 إلى 2024، وطبقت نموذج سوبر إس بي إم لتقدير الكفاءة، وجمعت بين تحليل داغوم جيني لتفكيك الفوارق وطريقة تقدير كثافة النواة وسلاسل ماركوف التقليدية والمكانية، لبناء إطار متسلسل يبدأ بقياس الكفاءة ثم تفكيك التفاوت ثم تطور التوزيع ثم انتقال الحالات
ثانيًا: أبرز النتائج
1، ارتفعت الكفاءة إجمالًا عبر فترة الدراسة مع تدرج مكاني واضح، إذ جاءت مستوياتها أعلى في أعالي الحوض ومناطقه الوسطى وأدنى في مناطقه السفلى، بما يعكس تفاوتًا بنيويًا في أنماط استخدام الأراضي بين أجزاء الحوض
2، اتسعت الفوارق الكلية في البداية ثم ضاقت قبل أن ترتد قليلًا نحو نهاية الفترة، وكانت الفوارق بين التجمعات هي المكوّن الأكبر في المتوسط وخلال معظم الفترة، وإن تراجعت مساهمتها حتى غدت كثافة التباين البيني هي المكوّن الأكبر في عامي 2023 و2024 بما يشير إلى تداخل أكبر بين توزيعات كفاءة التجمعات
3، أظهرت الفوارق داخل التجمعات وبينها تباينًا ملحوظًا ومسارات متميزة لكل تجمع ولمجموعاته الداخلية، فلا تسير المدن على إيقاع واحد في تحسين كفاءتها الخضراء ولا تتقارب بوتيرة متجانسة
4، كشف تحليل ماركوف التقليدي عن ثبات قوي للحالات وميل واضح لاستمرار حالات الكفاءة المرتفعة وانتقالات غالبة بين الفئات المتجاورة، بينما أظهرت سلاسل ماركوف المكانية أن احتمالات الانتقال المحلية تتغير بتغير ظروف كفاءة الجوار المحيط بالمدينة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتفيد هذه النتائج مخططي التنمية الإقليمية في أن تقارب الكفاءات لا يحدث تلقائيًا ولا في اتجاه واحد مستدام، بل يمر بتعديلات مرحلية وتداخل متنام عبر التجمعات وانتقالات مشروطة بالجوار، ما يستدعي سياسات مكانية متمايزة بحسب موقع المدينة وحالة جيرانها، كما تقدم الدراسة للباحثين نموذجًا منهجيًا يجمع بين قياس الكفاءة وتفكيك التفاوت وتحليل الانتقالات يمكن تكييفه لدراسة أحواض ومدن عربية تواجه تحديات مماثلة في إدارة أراضيها ومواردها
وتمتد فائدة المنهجية إلى ما وراء الحالة الصينية، فحوض النهر الأصفر بما يضمه من مدن صناعية وزراعية متفاوتة النمو يشبه في تحدياته أحواضًا ومدنًا عربية تعاني ضغط المياه وشح الأراضي الصالحة وضغوط التحضر، ويمكن للباحثين العرب توظيف التتابع المنهجي نفسه لقياس كفاءة استخدام الأراضي في مدنهم وتفكيك فوارقها وتتبع انتقالاتها، بما يدعم قرارات التخطيط المكاني ويوجه الاستثمارات البيئية إلى المواضع الأعلى عائدًا
وتنسجم هذه الصورة مع خبرة التخطيط الحضري المقارن التي تبين أن فوارق الكفاءة بين المدن لا تُردم بالسياسات الموحدة، بل ببرامج مصممة لكل إقليم وفق موارده وقيوده وعلاقاته بجيرانه الاقتصاديين والمكانيين
وخلاصة القول إن التفاوت في كفاءة الاستخدام الأخضر للأراضي الحضرية بحوض النهر الأصفر ظاهرة ديناميكية متعددة المصادر، وإن فهمها يتطلب تتبّع القياس والتفكيك والتوزيع والانتقال معًا، وهو درس منهجي وعملي يتجاوز الحالة الصينية إلى كل تخطيط حضري يسعى للموازنة بين النمو وصون الموارد الطبيعية








