توسع البحث في الاقتصاد الدائري بقطاع الضيافة خلال السنوات الأخيرة منتقلًا من ممارسات منعزلة لخفض النفايات إلى أسئلة أوسع تشمل المشتريات والقياس الرقمي ومشاركة أصحاب المصلحة والتغيير التنظيمي، غير أن الأدلة المتاحة ما تزال صعبة التحويل لدى مديري الفنادق إلى محفظة استثمارية محكومة، إذ تصنف المراجعات المنشورة الممارسات والحواجز، بينما تتطلب قرارات التنفيذ مالكين وخطوط أساس وبوابات قرار ومؤشرات قابلة للتدقيق وروتينات للتغذية الراجعة
ومن هذا المنطلق تأتي هذه الدراسة المراجعية التكاملية لتربط أدلة الضيافة الدائرية بآليات الإدارة والحوكمة، مقدّمة إطارًا إداريًا من خمس مراحل يهدف إلى نقل الدائرية من قائمة مبادرات بيئية متفرقة إلى نظام إداري قابل للتكرار والقياس والمساءلة في المجموعات الفندقية والمنشآت المستقلة وشراكات الوجهات السياحية على حد سواء
وتزداد الحاجة إلى مثل هذا التأطير في وقت تتسابق فيه الوجهات السياحية الكبرى على إعلان مستهدفات استدامة طموحة، بينما تفتقر كثير من المنشآت إلى خرائط طريق تنفيذية تربط بين الطموح البيئي والقرار الاستثماري اليومي، فتتحول المبادرات الخضراء إلى أنشطة موسمية متقطعة لا تتراكم آثارها ولا تُبنى عليها خبرة تنظيمية، ومن هنا تنبع أهمية الانتقال من منطق المبادرة الفردية إلى منطق النظام الإداري المتكامل الذي يوزع المسؤوليات ويضبط الإيقاع ويقيس التقدم بمعايير معلنة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
سعت الدراسة إلى معالجة الفجوة بين المعرفة البحثية المتراكمة حول الضيافة الدائرية وبين احتياجات صانع القرار الفندقي، فانطلقت من خريطة ببليومترية راسخة تضم 71 منشورًا في مجال الضيافة صدرت بين عامي 2018 و2024، ودققت مراجعها الرئيسة وادعاءاتها في ضوء بيانات الناشرين ومعرّفات الكائنات الرقمية، ثم أضافت دراسات محكّمة صادرة حتى أغسطس 2026 وسّعت الأدلة ماديًا في مجالات النظم الغذائية والأثاث والمشتريات والقيادة الرقمية والضغوط المؤسسية والمشاركة البشرية، ورُمّزت المصادر وفق المجال التشغيلي ومستوى القرار والفاعل ومتطلبات المعلومات والحاجز والناتج
ثانيًا: أبرز النتائج
1، برزت من الترميز أربع وظائف حوكمة مترابطة يعتمد بعضها على بعض، وهي التوجيه الاستراتيجي، وتعبئة المعرفة، وضبط العمليات، وتكامل المحفظة، وتمثل هذه الوظائف البنية التنظيمية التي تنتظم من خلالها قرارات الدائرية ومسؤولياتها داخل المنشأة الفندقية
2، بُني على هذه الوظائف إطار من خمس مراحل متتابعة تبدأ بالتشخيص ثم التصميم ثم النشر ثم الرقمنة ثم الإثبات، وحُددت لكل مرحلة مخرجاتها وبوابات القرار فيها ومسؤولياتها ومؤشراتها المتسقة المقامات بما يسمح بمقارنة الأداء عبر الزمن وعبر المنشآت المختلفة
3، يحوّل النموذج الناتج الدائرية من قائمة مبادرات بيئية متفرقة إلى نظام إداري قابل للتكرار، وإسهامه مفاهيمي وتطبيقي انتقالي لا سببي، إذ يعرض بنية قابلة للاختبار للمجموعات الفندقية والمنشآت المستقلة وشراكات الوجهات على السواء
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي نتائج الدراسة على قيمة عملية مباشرة لإدارات الفنادق وصنّاع السياسات السياحية، إذ تمنحهم لغة مشتركة لترتيب أولويات الاستثمار الدائري وربط كل مبادرة بمالك مسؤول وخط أساس قابل للقياس وروتين تغذية راجعة، كما تفتح للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا مجالًا خصبًا لاختبار الإطار ميدانيًا في البيئات الفندقية العربية، ولا سيما أن الدراسة نفسها تنبه إلى أن التحقق الطولي وقواعد القياس الموحدة والأدلة المستمدة من الاقتصادات الناشئة ما تزال ضرورية وغائبة
كما تفتح الدراسة أجندة بحثية واسعة أمام طلاب الدراسات العليا، إذ يمكن اختبار كل مرحلة من مراحل الإطار ميدانيًا بسلسلة حالات في فنادق عربية متفاوتة الأحجام والمواقع، ومقارنة نضج وظائف الحوكمة الأربع بين المجموعات الدولية والمنشآت المستقلة، ودراسة أثر القيادة الرقمية والضغوط المؤسسية في تسريع تبني الممارسات الدائرية، وكلها أسئلة تتطلب بيانات طولية ومقابلات مع صانعي القرار ووثائق تشغيل داخلية، بما يجعل الموضوع مجالًا خصبًا لرسائل الماجستير والدكتوراه في إدارة الضيافة والسياحة المستدامة
وخلاصة القول إن قيمة هذه الدراسة تكمن في نقلها الضيافة الدائرية من مستوى الشعارات والممارسات المتفرقة إلى مستوى الأنظمة الإدارية المحكومة بالمؤشرات وبوابات القرار، وهو انتقال تحتاجه صناعة الضيافة العربية وهي تتوسع في مشروعاتها الكبرى، شريطة أن يُختبر الإطار طوليًا وأن تُوحّد قواعد قياسه قبل تعميم نتائجه على سياقات جديدة








