يشير الصمود التعليمي عادة إلى النواتج الأكاديمية التي تفوق التوقعات لدى الطلاب أو المدارس المحرومة اجتماعيًا واقتصاديًا، غير أن ما نعرفه عن استقرار هذا الصمود عبر الزمن ما يزال محدودًا، وبخاصة في الأنظمة التعليمية شديدة الطبقية والانتقائية كنظام التعليم في المجر، وبعد اضطرابات كبرى كجائحة كوفيد 19 التي هزت منظومات التعليم في العالم أجمع وغيرت شروط التعلم والتحصيل لسنوات متتالية في مختلف المراحل الدراسية، وتزداد أسئلة الصمود إلحاحًا كلما اتسعت الفجوات الاجتماعية بين أحياء المدن ومناطقها الريفية، إذ تتحمل مدارس المناطق المحرومة أعباء مضاعفة في الموارد والكوادر واستقرار أسر الطلاب
وتحمل هذه القضية أهمية بالغة لصناع السياسات والباحثين في الوطن العربي، إذ تواجه الأنظمة التعليمية العربية فجوات مماثلة بين المدارس المحرومة ونظيراتها، ويحتاج فهم الصمود المدرسي بوصفه ظاهرة ديناميكية متغيرة لا سمة ثابتة إلى أدلة طولية ترصد انتقال المدارس بين الصمود والهشاشة، وتمكن المسؤولين من توجيه الدعم إلى المدارس الهشة قبل تراجعها، ومن التعلم من تجارب المدارس التي حافظت على أدائها رغم الحرمان ورغم صدمة الجائحة العالمية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة إلى فحص مدى انتشار ملامح المدارس الابتدائية الصامدة والهشة في المجر واستقرارها باستخدام بيانات التقويم الوطني للكفاءات الأساسية، وقُدرت مؤشرات القيمة التربوية المضافة على مستوى المدرسة بصورة منفصلة للرياضيات والفهم القرائي، ثم جُمعت عبر فترتين مدة كل منهما ثلاث سنوات، هما فترة ما قبل الجائحة بين عامي 2017 و2019 وفترة التعافي بعد الجائحة بين عامي 2023 و2025، وصُنفت المدارس إلى مجموعتين صامدة وهشة استنادًا إلى تقاطع الحرمان الاجتماعي مع الأداء، وشملت تحليلات الملامح 2048 مدرسة، بينما تراوحت نماذج الانحدار بين 192 و201 حالة بحسب اكتمال البيانات المتاحة، وتتيح هذه البنية الزمنية المزدوجة مقارنة ملامح الصمود والهشاشة قبل الصدمة الصحية العالمية وبعدها مقارنة مباشرة داخل المنظومة المدرسية ذاتها وبأدوات قياس موحدة عبر الفترتين
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت النتائج أن المدارس الصامدة نادرة ولا تتسم إلا باستقرار جزئي، إذ حافظ أقل من ربعها على هذه الصفة بعد الجائحة، ما يعني أن غالبية المدارس التي تفوقت رغم الحرمان قبل الجائحة فقدت موقعها في فترة التعافي اللاحقة
2، بينت تحليلات الانحدار اللوجستي أن الصمود السابق وانخفاض مستويات المشكلات الانضباطية ونوع الجهة المشغلة للمدارس ارتبطت باحتمالية أعلى للصمود بعد الجائحة، بما يجعل التجربة السابقة والمناخ المدرسي المنضبط عوامل حماية نسبية للمدارس المحرومة
3، فقدت عوامل أخرى قوتها التفسيرية بعد الجائحة، إذ لم يعد لحجم المدرسة وموقعها الإقليمي ومستوى الحرمان ونقص المعلمين أثر يفسر احتمالية الصمود في النماذج اللاحقة، وهو ما يدعم تفسيرًا ديناميكيًا للصمود المدرسي مشروطًا بالسياق والزمن
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تدعو هذه النتائج إلى التعامل مع الصمود المدرسي بوصفه حالة متغيرة تستوجب الرصد الدوري لا التصنيف الثابت، فالمدارس الصامدة اليوم قد تتراجع غدًا إن تغيرت شروطها، والمدارس الهشة قد تتحسن إذا توافرت لها عوامل الحماية المناسبة، ويمكن للباحثين العرب الإفادة من المنهجية المعتمدة على القيمة التربوية المضافة والتصنيف المقطعي للحرمان والأداء في بناء خرائط صمود وهشاشة لمدارس بلدانهم، كما تفيد النتائج المخططين في إعطاء أولوية الدعم المهني والانضباطي للمدارس المحرومة، ومتابعة استقرار أدائها عبر الفترات بدل الاكتفاء بلقطات زمنية عابرة، كما تنبه النتائج إلى محدودية الاعتماد على مؤشرات أداء آنية في تصنيف المدارس، فالقيمة التربوية المضافة المقدرة عبر فترات متعددة تمنح صورة أعدل لجهود المدارس في سياقات الحرمان، وينبغي أن تصاحبها مؤشرات نوعية عن المناخ المدرسي والقيادة التربوية والدعم المجتمعي حتى لا تختزل جودة المدرسة في درجتين اختباريتين لمهارتين أساسيتين فقط
وخلاصة القول إن الصمود المدرسي في المجر ظاهرة نادرة ومتقلبة عبّرت عنها بيانات ما قبل الجائحة وما بعدها، وإن بناء سياسات تعليمية عادلة يتطلب فهم هذه الديناميكية وتصميم تدخلات تراعي تغير شروط المدارس عبر الزمن








