يحظى السرد القصصي الرقمي باهتمام متزايد في حقول التعليم والصحة وتعليم اللغات بوصفه ممارسة تجمع بين السرد والتقنية الرقمية لبناء المعنى والتعلم، ومع تراكم المراجعات المنهجية حوله صار من الضروري النظر إلى هذه المراجعات ذاتها بعين نقدية، ففاعلية أي ممارسة تعليمية لا تنفصل عن جودة الأدلة التي تستند إليها الادعاءات بشأن نواتجها، ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعات شاملة تستخلص المؤشرات المنهجية التي ينبغي أن توجه الادعاءات حول فاعلية السرد القصصي الرقمي وأثره، ومع تنوع تطبيقات السرد القصصي الرقمي بين التعليم والاتصال والرعاية الصحية وتعدد أساليب بحثه، ازدادت الحاجة إلى مراجعات من الرتبة الثانية تلخص حالة المعرفة وتكشف تناقضاتها وتوجه أجندات البحث المقبلة نحو الأسئلة الأجدى والأدلة الأقوى
وتكتسب هذه المراجعات قيمة خاصة لدى الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا الذين تتزايد دراساتهم حول السرد القصصي الرقمي في البيئات التعليمية العربية، إذ ترشدهم إلى مواطن القوة والقصور في الأدبيات العالمية، وتقدم لهم قائمة مرجعية بالمؤشرات المنهجية التي ينبغي توافرها والإفصاح عنها في مراجعاتهم المستقبلية، من تقويم الجودة إلى الأطر النظرية والتربوية والأدوات التقنية وأدوات القياس، بما يرفع من موثوقية ما يتوصلون إليه من استنتاجات وتوصيات، وعلى صعيد الممارسة البحثية العربية تحديدًا تتيح نتائج هذه المراجعة فرصة لتوحيد معايير إعداد المراجعات المنهجية في الجامعات ومراكز البحث العربية، بدءًا من تسجيل بروتوكول المراجعة وانتهاء بالإفصاح الكامل عن أدوات التقويم والأطر المستخدمة، بما يسهل على المحررين والمحكمين تقويم جودة المراجعات المقدمة للنشر في المجلات العربية والإقليمية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة إلى تجميع المراجعات المنشورة حول السرد القصصي الرقمي لتحديد المؤشرات المنهجية المؤثرة في صياغة الادعاءات بشأن نواتجه وفاعليته عبر الحقول المختلفة، واتبعت منهجية المراجعة الشاملة للمراجعات وفق إطار الإبلاغ بريزما للمجالات، مع الاستعانة بإطار السكان والمفهوم والسياق في صياغة أسئلة البحث، وشمل البحث أربع قواعد بيانات أسفرت عن 1656 سجلًا، وبعد الفرز المستقل بوساطة مراجعَين اثنين استوفت 19 مراجعة معايير الإدراج، وأُجري التقويم النقدي لقائمتها بقائمة معهد جوانا بريغز، ثم نُفذ التحليل الموضوعي وتجميع المحتوى باستخدام برنامج ماكس كيو دي أيه
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت مؤشرات النشر زيادة تدريجية في عدد مراجعات السرد القصصي الرقمي بين عامي 2016 و2025، وكانت المراجعات المنهجية النوعية هي النوع الأكثر انتشارًا بينها، ومن حيث التوزيع الجغرافي أُجريت معظم المراجعات بوساطة باحثين مقيمين في تركيا، مع فجوات ملحوظة في سياقات أمريكا الجنوبية وأفريقيا
2، بينت المؤشرات السياقية أن غالبية المراجعات تبنت توجهًا تكوينيًا يتناول الممارسات على المستوى الجزئي عبر حقول الصحة والتعليم العام وتعليم اللغات، واعتمدت على مشاركين من بيئات نظامية وغير نظامية، وأبلغت أساسًا عن نواتج عبر ثمانية مجالات رئيسية
3، كشفت المؤشرات المنهجية عن غياب الاتساق وتباين كبير في استخدام تقويم الجودة والأطر النظرية والتربوية والأدوات التقنية وأدوات القياس وفي كيفية الإبلاغ عنها، وهو ما يحد من قابلية المقارنة بين المراجعات ويضعف تراكم الأدلة حول الفاعلية ويعوق بناء معرفة تراكمية موثوقة توجه الممارسة التعليمية والسياسات البحثية في هذا الحقل سريع النمو
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توصي الدراسة بإعطاء الأولوية للمراجعات التحليلية البعدية ومراجعات الطرق المختلطة، وتشجيع البحث في المناطق غير الممثلة تمثيلًا كافيًا، وفحص السرد القصصي الرقمي على المستويين المتوسط والكلي لا الجزئي وحده، ودمج المؤشرات المنهجية الرئيسة والإبلاغ عنها بانتظام في المراجعات المستقبلية، وتمثل هذه التوصيات خارطة طريق عملية للباحثين العرب عند إعداد مراجعاتهم، إذ تساعدهم على تجنب التباين غير المبرر في الإجراءات، وعلى بناء ادعاءات حول فاعلية السرد القصصي الرقمي على أسس منهجية صلبة قابلة للتحقق والمقارنة
وخلاصة القول إن هذه المراجعة الشاملة تقدم صورة نقدية ناضجة لحالة الأدلة حول السرد القصصي الرقمي، وإن تقدم هذا الحقل البحثي مرهون بتوحيد مؤشراته المنهجية وتوسيع نطاقه الجغرافي ومستويات تحليله في الدراسات المقبلة








