يُعد إيذاء الذات غير الانتحاري من المشكلات السلوكية المتنامية بين المراهقين في سنوات الدراسة المتوسطة والثانوية، ويقصد به إلحاق الضرر المتعمد بأنسجة الجسد دون نية إنهاء الحياة، ويرتبط هذا السلوك بعوامل خطر متعددة في مقدمتها الخبرات الاجتماعية السلبية، ويأتي الرفض الاجتماعي في صدارة هذه العوامل بوصفه خبرة مؤلمة تهدد حاجة المراهق الأساسية إلى الانتماء والقبول من الأقران
وعلى الرغم من تراكم الأدلة على العلاقة بين الرفض الاجتماعي وإيذاء الذات، ظلت الآليات الطولية الوسيطة والمعدلة الكامنة وراء هذه العلاقة محدودة المعرفة، فلا يكفي أن نعرف أن الرفض يرتبط بالإيذاء، بل يلزم فهم كيف يتحول الرفض عبر الزمن إلى سلوك مؤذ، ولدى من يكون هذا التحول أشد خطورة، وهو ما تسعى هذه الدراسة الطولية إلى الإجابة عنه عبر ثلاث موجات قياس ممتدة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص الدور الوسيط لأعراض القلق والاكتئاب في العلاقة بين الرفض الاجتماعي وإيذاء الذات غير الانتحاري، والدور المعدل لتقدير الذات في هذه الوساطة، لدى عينة قوامها 1368 طالبًا وطالبة من طلاب المدارس المتوسطة الصينية، بلغت نسبة الذكور فيهم 60 في المئة بواقع 821 طالبًا، ونسبة الإناث 40 في المئة بواقع 547 طالبة، وبلغ متوسط أعمارهم 16.05 عامًا بانحراف معياري قدره 0.85 عند الموجة الأولى، واستكمل المشاركون مقاييس الرفض الاجتماعي وإيذاء الذات وأعراض القلق والاكتئاب وتقدير الذات عبر ثلاث موجات زمنية تفصل بين كل منها ستة أشهر، وحُللت البيانات بنماذج وساطة طولية تتيح تتبع تسلسل الأثر عبر الزمن بدل الاكتفاء بارتباطات مقطعية لا تكشف اتجاه العلاقة ولا ترتيبها
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت نماذج الوساطة الطولية أن الرفض الاجتماعي في الموجة الأولى ارتبط بإيذاء الذات غير الانتحاري في الموجة الثالثة عبر التنبؤ بمستويات أعلى من أعراض القلق والاكتئاب في الموجة الثانية، أي إن الانفعالات السلبية تمثل حلقة الوصل الزمنية بين خبرة الرفض وسلوك الإيذاء
2، عدّل تقدير الذات في الموجة الثانية هذا الأثر غير المباشر، إذ كانت العلاقة بين الرفض الاجتماعي وأعراض القلق والاكتئاب دالة إحصائيًا لدى المراهقين منخفضي تقدير الذات فقط، بينما خفت هذه العلاقة أو غابت لدى مرتفعي تقدير الذات
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد هذه النتائج أن الوقاية من إيذاء الذات لدى المراهقين لا ينبغي أن تقتصر على رصد السلوك ذاته، بل تمتد إلى معالجة أعراض القلق والاكتئاب بوصفها المسار الانفعالي الذي يعبر منه أثر الرفض، وإلى تعزيز تقدير الذات لدى المراهقين بوصفه عامل حماية يكسر سلسلة الأثر قبل اكتمالها، وتفيد هذه الخلاصات المرشدين النفسيين في المدارس العربية وأولياء الأمور في الانتباه المبكر للمراهقين المعرضين للرفض من الأقران، وبناء برامج إرشادية تجمع بين الدعم الاجتماعي وتنمية النظرة الإيجابية إلى الذات وإدارة الانفعالات، كما تقدم للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في علم النفس والإرشاد نموذجًا طوليًا قابلًا للاختبار في بيئات مدرسية عربية تختلف ثقافيًا واجتماعيًا عن البيئة الصينية التي أجريت فيها الدراسة
ويبرز في هذه الدراسة درس منهجي مهم لطلاب الدراسات العليا مفاده أن التصميمات الطولية متعددة الموجات أقدر من الدراسات المقطعية على كشف تسلسل الآثار واتجاهها، إذ يمكن توثيق انتقال الأثر من الرفض إلى الانفعالات السلبية ثم إلى السلوك عبر فواصل زمنية معلومة، كما أن إدخال متغيرات معدلة كتقدير الذات يحول الفهم من علاقة عامة غامضة إلى معرفة دقيقة بالفئات الأكثر تعرضًا للخطر، وهي المعرفة التي يحتاجها المرشد النفسي المدرسي حين يرتب أولويات التدخل ويصمم برامج وقاية تستهدف الموارد النفسية الإيجابية لدى المراهقين لا مجرد معالجة الأعراض بعد وقوع الضرر
وخلاصة القول إن الرفض الاجتماعي لا يقود إلى إيذاء الذات بصورة مباشرة فحسب، بل يعبر عبر أعراض القلق والاكتئاب متوسطة الأمد، وإن تقدير الذات المرتفع يمثل درعًا نفسية تخفف من حدة هذا المسار، وهو ما يجعل التدخل المبكر على مستوى الانفعالات وتقدير الذات مدخلًا واعدًا للوقاية والعلاج معًا








