يُنتظر من التربية البدنية الجامعية في العصر الراهن أن تنمي الثقافة البدنية لدى الطلاب بدمج الكفاءة الحركية بالفهم المعرفي والدافعية الذاتية، غير أن الأدلة الصارمة حول فاعلية المداخل متعددة التخصصات، مثل مدخل ستيم الذي يدمج العلوم والتقنية والهندسة والفنون والرياضيات، ما تزال محدودة في بيئات التعليم العالي، وتتوسط هذه الفجوة أسئلة عملية حول كيفية توظيف تقنيات رقمية منخفضة الكلفة، كالهواتف الذكية، في تحديث دروس التربية البدنية ذات الطابع المهاري دون الإخلال بدافعية الطلاب للتعلم والممارسة
وتحظى هذه الأسئلة باهتمام الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في المناهج وطرق تدريس التربية البدنية وتقنيات التعليم، لأن الجامعات العربية تسعى إلى تطوير مقرراتها الرياضية بما يواكب التحول الرقمي، وتواجه تحدي توفير مختبرات حركة مكلفة، ومن ثم فإن اختبار مدخل يستند إلى الهاتف الذكي والاستقصاء العلمي يقدم بديلًا عمليًا قابلًا للنقل والتكييف في سياقات تعليمية مشابهة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تصميم منهج في رياضة الروليبول مدمج بمدخل ستيم وتقويمه، بحيث يستخدم التغذية الراجعة الحركية عبر الهاتف الذكي لدعم التعلم الحركي والممارسة القائمة على الاستقصاء، واعتمدت تجربة عشوائية مضبوطة بطبقات الأقسام شملت سبعين طالبًا جامعيًا من السنة الأولى، وُزعوا بين مجموعة تدخل درست بالمنهج الجديد ثمانية أسابيع ومجموعة درست بالمقرر التقليدي، وطبقت المجموعة التجريبية دورة التعلم الخبراتي، مستخدمة مقاطع فيديو عالية معدل الإطارات لتحليل مسارات المضرب وربط مبادئ الميكانيكا الحيوية بتنفيذ المهارة، وشملت النواتج الأولية الأداء الحركي متمثلًا في ذروة السرعة الزاوية لرأس المضرب وتقييمات خبراء مجهولين للتقنية ومعرفة ستيم، فيما قاست النواتج الثانوية الدافعية الذاتية والنزعة الإبداعية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت التحليلات المعدلة بدرجات القبلية تفوق منهج ستيم في مجالات حركية ومعرفية متعددة، ويمكن عرض أبرز النتائج فيما يأتي
1، حقق منهج ستيم المدمج بالروليبول نتائج متفوقة في الأداء الحركي مقارنة بالمقرر التقليدي، إذ تحسن الأداء الحركي للطلاب بحجم أثر متوسط إلى كبير، وارتفعت تقييمات الخبراء المجهولين لتقنية الأداء لدى مجموعة التدخل
2، أنتج التدخل مكسبًا كبيرًا في معرفة ستيم لدى الطلاب، بما يدل على أن الاستقصاء العلمي المرافق للممارسة الحركية عمق الفهم المعرفي للمبادئ العلمية والتقنية الكامنة وراء المهارة الرياضية المدروسة
3، سجلت الدافعية الذاتية زيادة صغيرة إلى متوسطة لدى مجموعة التدخل، فيما بقيت النزعة الإبداعية مستقرة لدى المجموعتين، ما يشير إلى أن المدخل الجديد عزز الانخراط والدافعية دون أن يحدث تغيرًا في الاستعداد الإبداعي العام
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبين هذه النتائج أن دمج تقنية رقمية منخفضة الكلفة واستقصاء ستيم في التربية البدنية الجامعية يمكن أن يعزز بصورة دالة اكتساب المهارات الحركية والانخراط المعرفي دون المساس بالدافعية، وأن الاستقصاء المدعوم بالهاتف الذكي استراتيجية مجدية لتحديث المقررات ذات التركيز التقني، إذ يحول الهاتف من مشتت محتمل إلى أداة قياس وتغذية راجعة فورية يشارك الطالب من خلالها في تحليل أدائه وبناء فهمه لمهارته
وبالنسبة إلى كليات التربية الرياضية في الجامعات العربية، يقدم النموذج مسارًا واقعيًا لتطوير مقررات الألعاب والمهارات بأدوات متاحة، ويدعو الباحثين إلى تجارب أوسع تمتد فصولًا دراسية كاملة وتوظف ألعابًا ورياضات متنوعة، مع قياس الاحتفاظ بالتعلم وأثره في أنماط النشاط البدني للطلاب خارج أسوار الجامعة
وتتصل هذه النتيجة بحوار أوسع حول مستقبل التربية البدنية في عصر الذكاء الاصطناعي والتقنيات القابلة للارتداء، فالدراسة تبين أن التقنية حين تُوظف بيداغوجيًا بعناية لا تلغي دور المعلم بل تعيد تموضعه مصممًا لخبرات التعلم وميسرًا للاستقصاء، وأن تحليل الحركة الذي كان حكرًا على مختبرات النخبة أصبح متاحًا في يد كل طالب عبر هاتفه، ما يفتح الباب لتعميم تعليم حركي قائم على الأدلة في بيئات محدودة الموارد
وخلاصة القول إن منهج ستيم المتكامل يجدد التربية البدنية الجامعية من داخل المهارة الحركية ذاتها، فيجعل الطالب باحثًا مستكشفًا لأدائه بالتقنية والتحليل، ويحقق مكاسب حركية ومعرفية ودافعية موثقة بتجربة عشوائية مضبوطة








