يدور في الأوساط العلمية نقاش مستمر حول الأسلوب الأسري الأجدى لتنمية المهارات الاجتماعية والانفعالية لدى الأبناء، بين من يرجح الحزم التقليدي المطالِب ومن يرجح الاستجابة الحديثة المتجسدة في القرب من الأسرة وما يحمله من دفء وتواصل ودعم، ويكتسب هذا النقاش خصوصيته في المشهد الاجتماعي والثقافي الصيني المعاصر حيث تتفاعل القيم الأسرية التقليدية مع تحولات تربوية حديثة، ويأتي التعاطف في صلب هذا النقاش بوصفه مهارة اجتماعية انفعالية تأسيسية ترتبط بقدرة الطالب على فهم مشاعر الآخرين ومشاركتهم إياها والتصرف بما يراعيها
وتبرز أهمية هذه القضية لدى الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في علم النفس التربوي وعلم اجتماع الأسرة، لأن الأسرة العربية ما تزال المؤسسة الأولى في التنشئة، ولأن فهم الشروط الأسرية التي تنمي التعاطف يساعد في تصميم برامج إرشادية وتدخلات مدرسية وأسرية رشيدة، كما أن اختبار هذه العلاقات في سياق ثقافي شرقي يمنح نتائج الدراسة قيمة مقارنة تتجاوز بيئتها الأصلية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف العلاقة بين القرب من الأسرة والتعاطف لدى الطلاب، مع التركيز على الأدوار الوسيطة لثلاثة عوامل هي الحالة الانفعالية والتسامح والقرب من الآخرين، واعتمدت تحليل وساطة قائمًا على نمذجة المعادلة البنائية باستخدام بيانات مسح المهارات الاجتماعية والانفعالية لعام ألفين وتسعة عشر الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وشملت العينة ثلاثة آلاف وخمسمئة وثمانية وسبعين طالبًا في العاشرة من العمر موزعين على ست وسبعين مدرسة في مدينة سوجو الصينية، بما أتاح اختبار المسارات المباشرة وغير المباشرة وإجراء تحليلات مقارنة بين المجموعات
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن أثر الأسرة في التعاطف يتحقق عبر مسارات وسيطة متكاملة، ويمكن عرض أبرزها فيما يأتي
1، يمارس القرب من الأسرة آثارًا دالة في تعاطف الطلاب، وهو ما يؤكد أن الدفء الأسري والاستجابة الوالدية ركيزة في نمو التوجهات التعاطفية لدى الأبناء في هذه المرحلة العمرية المبكرة
2، يتحقق هذا الأثر تحققًا كاملًا عبر ثلاثة وسطاء، فلا يصل القرب الأسري إلى التعاطف مباشرة فحسب، بل تتوسطه الحالة الانفعالية للطالب وما يتمتع به من توازن وجداني ينعكس على استعداده لاستشعار مشاعر الآخرين
3، يؤدي التسامح دور وسيط ثان في هذه العلاقة، إذ يرتبط القرب من الأسرة بتنمية اتجاهات متسامحة لدى الطالب تجاه المختلفين عنه، فيتسع أفقه الاجتماعي ويقوى استعداده للتعاطف معهم
4، يقوم القرب من الآخرين بدور الوسيط الثالث، فالطالب الذي ينشأ في أسرة قريبة يميل إلى بناء علاقات ودودة مع الأقران والمحيطين، وتتحول هذه الشبكة العلائقية إلى قناة تعزز تعاطفه وتنمي مهاراته الاجتماعية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد النتائج أن مستويات عالية من الاستجابة الأسرية المتجسدة في القرب من الأسرة ضرورية في السياق الصيني الحديث لاستيعاب الطلاب المعايير الاجتماعية وتنمية توجهاتهم التعاطفية، ويقدم نموذج الوساطة والتحليل متعدد المجموعات تفسيرات للتباينات الواردة في دراسات سابقة اختلفت نتائجها حول أثر الأساليب الوالدية، كما يبرز الوزن الكبير للثقافة الاجتماعية والتربية الأسرية في تشكيل التعاطف بوصفه ناتجًا تنمويًا مركبًا لا سمة فردية منعزلة
وعلى الصعيد التطبيقي، تفيد النتائج مصممي البرامج الإرشادية والتربوية في البيئات العربية في توجيه جهود تنمية التعاطف نحو الأسرة معًا مع الحالة الانفعالية للطالب واتجاهاته المتسامحة وعلاقاته بالأقران، بدل الاقتصار على تدريب الطالب وحده، وتدعو الباحثين إلى دراسات طولية ومقارنة تختبر ثبات هذه المسارات عبر المراحل العمرية والثقافات المختلفة
وتنسجم هذه النتيجة مع توجه بحثي متنام يرى أن جودة العلاقات الأسرية اليومية، لا حجم الضوابط المفروضة، هي ما يبني الشخصية الاجتماعية للطفل، إذ يتعلم الطالب في الأسرة القريبة قراءة مشاعر الآخرين والاستجابة لها قبل أن يمارس ذلك في المدرسة والمجتمع، وهو درس يمكن أن تستلهمه برامج التوعية الأسرية في الثقافات التي تمنح الأسرة مكانة مركزية كالثقافة العربية
وخلاصة القول إن التعاطف لدى الطلاب ثمرة مناخ أسري قريب مستجيب يعمل عبر قنوات انفعالية واتجاهية وعلائقية متكاملة، وهو ما وثقته الدراسة ببيانات دولية واسعة من مدينة سوجو، مقدمة إطارًا تفسيريًا يفيد الأسرة والمدرسة والباحثين على حد سواء








