يُعد تقدير الإنسان للعمر المتبقي له ذاتيًا من المؤشرات النفسية المؤثرة في قرارات أواخر العمر، إذ يوجه سلوكياته الصحية وخططه للتقاعد واستعداداته لنهاية الحياة، ويتشكل هذا التقدير بتأثير عوامل متعددة في مقدمتها الحالة الاجتماعية والعاطفية للفرد، ويبرز الشعور بالوحدة بوصفه عاملًا ذا آثار سلبية موثقة على الصحة الجسدية والنفسية والمعرفية والسلوكية، غير أن ما يُعرف عن تأثير الوحدة في تقدير العمر المتبقي ذاتيًا ما يزال محدودًا، ولا سيما ما يتعلق باختلاف هذا التأثير باختلاف الفئات العمرية ومراحل مسار الحياة
وتكتسب دراسة العلاقة بين الوحدة وتقدير العمر المتبقي أهمية خاصة في المجتمعات التي تشهد تحولات ديموغرافية واجتماعية متسارعة، إذ يتزايد عدد كبار السن من جهة وتتغير أنماط الترابط الأسري والاجتماعي من جهة أخرى، وتفيد نتائج مثل هذه الدراسات الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في فهم كيفية تشكل تصورات الأفراد لأعمارهم المتبقية وعلاقتها برفاههم الاجتماعي، بما يمهد لتدخلات تستهدف تعزيز الروابط الاجتماعية في المراحل العمرية المختلفة، وتتقاطع هذه القضية مع اهتمامات علم النفس الاجتماعي وعلم اجتماع الشيخوخة ودراسات جودة الحياة التي تبحث في كيفية حفاظ الأفراد على شبكات دعم فعالة عبر مراحل العمر المتعاقبة وتكيفهم مع التحولات الأسرية والمهنية المصاحبة لكل مرحلة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص العلاقة بين الشعور بالوحدة وتقدير العمر المتبقي ذاتيًا لدى البالغين الصينيين، وتحديد ما إذا كانت هذه العلاقة تختلف باختلاف الفئات العمرية، واعتمدت الدراسة مسحًا مقطعيًا عبر الإنترنت شمل 969 فردًا جُمعت بياناتهم من ماكاو وتشونغشان وقوانغتشو وتشوهاي، وحُسب تقدير العمر المتبقي ذاتيًا باستخدام سؤال خط الحياة المعتمد في دراسة أمستردام الطولية للشيخوخة، وقيس الشعور بالوحدة بالنسخة الصينية من مقياس الوحدة المختصر ذي البنود الثلاثة التابع لجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، وأُجريت تحليلات التعديل لفحص الفروق بين الفئات العمرية في العلاقة بين الوحدة وتقدير العمر المتبقي، وميزت الدراسة في تحليلاتها بين فئتين عمريتين رئيسيتين هما البالغون من 18 إلى 44 عامًا ومن بلغوا 45 عامًا فأكثر بما يتيح رصد التباين في هذه العلاقة عبر مسار الحياة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، بلغ متوسط تقدير العمر المتبقي ذاتيًا لدى المشاركين 41.39 عامًا، بينما بلغ متوسط درجة الشعور بالوحدة 4.54 درجات على مقياس الدراسة
2، ارتبط الشعور بالوحدة ارتباطًا سالبًا دالًا إحصائيًا بتقدير العمر المتبقي ذاتيًا، وارتبط التقدم في العمر بدوره ارتباطًا سالبًا دالًا بهذا التقدير، فكلما ازدادت الوحدة أو تقدم العمر قصر العمر الذي يتوقع الفرد بقاءه له
3، ظهرت فروق دالة بين الفئات العمرية، إذ أبلغ البالغون الأصغر سنًا ممن تراوحت أعمارهم بين 18 و44 عامًا عن مستويات أعلى من الوحدة وعن تقديرات أطول للعمر المتبقي مقارنة بمن بلغت أعمارهم 45 عامًا فأكثر
4، تركزت العلاقة بين الوحدة وتقدير العمر المتبقي أساسًا لدى البالغين الأصغر سنًا، بينما ظلت هذه العلاقة غير واضحة لدى كبار السن
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تسلط هذه النتائج الضوء على فروق جوهرية عبر مسار الحياة في كيفية ارتباط الوحدة بإدراك الإنسان للعمر المتبقي له، فبينما يبدو أن الشباب أكثر تأثرًا في تصوراتهم المستقبلية بواقعهم الاجتماعي الراهن، قد تتشكل تقديرات كبار السن بعوامل أخرى كالحالة الصحية والخبرات المتراكمة، وتوجه الدراسة الأنظار إلى أهمية التدخلات الرامية إلى تقوية الروابط الاجتماعية لدى البالغين الأصغر سنًا على وجه الخصوص، ويمكن للباحثين العرب الاستفادة من هذا الإطار في دراسة الوحدة وتقدير العمر المتبقي في مجتمعات عربية تختلف في بنيتها الأسرية والاجتماعية، وفي تصميم برامج دعم اجتماعي تراعي الخصوصية العمرية لكل فئة وتستهدف الفئات الأشد شعورًا بالوحدة، كما تفتح الدراسة أفقًا لدراسات طولية تتبع تغير العلاقة بين الوحدة وتقدير العمر المتبقي عبر الزمن، ولتقويم فاعلية تدخلات اجتماعية ونفسية موجهة إلى الشباب الذين يعيشون بعيدًا عن أسرهم لأغراض الدراسة أو العمل
وخلاصة القول إن الشعور بالوحدة يرتبط بتصور الأفراد لأعمارهم المتبقية ارتباطًا يتباين عبر مراحل العمر، وإن فهم هذا التباين يعين صانعي السياسات والممارسين على توجيه جهود تعزيز الترابط الاجتماعي إلى الفئات الأشد تأثرًا به








