لطالما فُهمت المنصات الرقمية بوصفها فضاءات مهمة يجري فيها أداء الهوية وتشكيل الذات عبر الشبكات والتفاعل بين الأشخاص، وقامت على ذلك مقاربات نظرية مؤسسة لفهم الذات على وسائل التواصل الاجتماعي، غير أن البنية التقنية المميزة لمنصة تيك توك، القائمة على الفيديو القصير متعدد الوسائط وعلى خوارزميات توزيع قوية، دفعت بعض الباحثين إلى القول إن عمليات الاجتماعية وبناء الهوية قد تغيرت تغيرًا يقوض بعض المبادئ المؤسسة لفهمنا أداء الهوية رقميًا، وهو جدل نظري يحتاج إلى اختبار تجريبي في سياقات محددة، وليس أنسب لذلك من سياق الصحة والمرض حيث يمتزج البوح الشخصي بطلب المعلومات والدعم
تختار هذه الدراسة محتوى منصوصًا على حالتين من السرطان الوراثي هما طفرات بركا المرتبطة بسرطان الثدي والمبيض ومتلازمة لينش، وحاملو هذه الطفرات أكثر عرضة بكثير للإصابة بأنواع معينة من السرطان في حياتهم، ويلجأ كثير منهم إلى تيك توك بحثًا عن فهم لحالتهم وعن جماعة تتقاسم التجربة، فيصبح المحتوى المنشور مرآة لكيفية أداء الهوية في مواجهة تشخيص وراثي مقلق، وتقدم الدراسة بذلك إسهامًا يهم الباحثين في دراسات الإعلام والصحة وطلاب الدراسات العليا، بما فيه من دروس حول كيفية تشكل الدعم والمعلومة الصحية على المنصات الخوارزمية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى التفاعل النقدي مع الجدل النظري حول أداء الهوية على تيك توك عبر سؤال محدد مؤداه كيف تؤدى الهوية في محتوى المنصة ضمن سياق الصحة والمرض، وتحديدًا في المحتوى المتعلق بحالتين من السرطان الوراثي هما بركا ومتلازمة لينش، واعتمد الباحثان أدوات حاسوبية لجمع البيانات من المنصة حول هاتين الحالتين، ثم أجريا تحليلًا نوعيًا لمضمون ما جُمع، لاستكشاف الأدوار التي يؤديها صانعو المحتوى والكيفية التي تبرز بها عناصر الذات بين الأشخاص والشبكات عبر خصائص تيك توك، في اختبار تجريبي لما إذا كانت اجتماعية المنصة تلغي الأبعاد التفاعلية للهوية أم تعيد تشكيلها
ثانيًا: أبرز النتائج
1، وجدت الدراسة أن الهوية تؤدى على تيك توك عبر تمثيل أدوار متنوعة يتقمصها صانعو المحتوى في عرض تجربتهم مع الحالة الوراثية، بحيث يتشكل تقديم الذات من خلال ما يؤديه الشخص من دور اجتماعي داخل المحتوى
2، أظهرت جميع الأدوار المرصودة أن خصائص تيك توك ما تزال تتيح بروز العناصر بين الأشخاص والشبكية للذات، خلافًا لما توحي به أطروحات ترى أن الخوارزمية والفيديو القصير يذوبان البعد التفاعلي للهوية في أداء فردي خالص
3، تكشف النتائج عن ضروب أداء الهوية التي تصبح أكثر ظهورًا عبر أنماط اجتماعية تشكلها منصات متعددة الوسائط وخوارزمية قوية مثل تيك توك، فالظهور ذاته مرهون بما تبرزه البنية التقنية من أدوار وأشكال تعبير
4، تقدم الدراسة بصيرة غير مسبوقة في طبيعة المحتوى الذي يتعرض له المستخدمون حين يبحثون عن معلومات ودعم يتعلقان بتشخيص سرطان وراثي على تيك توك، وهو ما لم يكن موثقًا من قبل بهذه الصورة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تعدل هذه النتائج الفهم النظري لأداء الهوية الرقمية، إذ تبين أن الخوارزميات القوية لا تلغي اجتماعية المنصات بل تعيد توجيهها، وأن الذات الشبكية المتفاعلة ما تزال حاضرة عبر الأدوار المؤداة في المحتوى الصحي، وتفيد عمليًا مقدمي الرعاية الصحية ومنظمات دعم المرضى في فهم ما يواجهه حاملو الطفرات الوراثية من محتوى حين يلجؤون إلى تيك توك، بما يساعدهم على تصميم تواصل صحي أصدق وحضور رقمي مسؤول يراعي حساسية التجربة وخصوصيتها، كما تفتح الدراسة للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا آفاقًا لدراسة مجتمعات المرضى العرب على المنصات القصيرة، وأدوار الهوية فيها، وأثر الخوارزميات في إبراز أدوار دون أخرى، مع الانتباه إلى أن ما يظهر للمستخدم ليس انعكاسًا محايدًا للمجتمع بل نتاج تصفية خوارزمية نشطة
وخلاصة القول إن الهوية على تيك توك في سياق السرطانات الوراثية تؤدى عبر تمثيل أدوار تبقي عناصر الذات البين شخصية والشبكية حية رغم قوة الخوارزميات وطغيان الصيغة المرئية القصيرة، فتسهم الدراسة في معرفة تجارب التواصل الاجتماعي مع السرطان الوراثي، وتمنح الباحثين والممارسين فهمًا أعمق لما يلقاه الباحثون عن الدعم والمعلومة على هذه المنصة وكيف يصاغ حضورهم فيها








