أثبت الواقع الافتراضي فاعلية واضحة في التدريب على الخطابة العامة والإلقاء أمام الجمهور، إذ يتيح محاكاة بيئات تقديم غامرة تماثل المواقف الحقيقية، ويسمح باستخلاص مؤشرات سلوكية تلقائيًا تعكس أداء المتحدث وانفعالاته، غير أن الاهتمام البحثي ظل محدودًا بأثر جنس المتحدث وبأثر المظهر المؤنث أو المذكر للجمهور الافتراضي في تجربة الإلقاء داخل هذه البيئات، على الرغم مما تنطوي عليه هذه العوامل من دلالات اجتماعية ونفسية قد تؤثر في التدريب والتقويم، ومن هنا تبرز أهمية دراسة التفاعل بين خصائص المتحدث وخصائص الجمهور المحاكى دراسة تجريبية دقيقة تجمع بين البيانات السلوكية الموضوعية والتقويمات الذاتية
وتكتسب هذه القضية أهمية متزايدة للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في مجالات علم النفس والتربية وتقنيات التعليم والتفاعل بين الإنسان والحاسوب، إذ تتسع تطبيقات الواقع الافتراضي في التدريب على مهارات العرض والتواصل في الجامعات والمؤسسات، ويصبح من الضروري فهم ما إذا كانت منصات التدريب هذه تعامل المتحدثين على اختلاف أجناسهم بإنصاف، وما إذا كانت سمات الجمهور الافتراضي من مظهر واتجاه اجتماعي تعدل تجربة المتدربين وأداءهم، وهو ما تناولته هذه الدراسة بالتحليل المتعدد الوسائط
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف كيفية تشكيل النوع الاجتماعي لتجربة الخطابة العامة في الواقع الافتراضي، من جهة جنس المتحدث ومن جهة المظهر المؤنث أو المذكر للجمهور الافتراضي واتجاهه الاجتماعي، وأجرى الباحثون تجربة شارك فيها 55 مشاركًا قدموا عروضًا شفوية داخل محاكاة واقع افتراضي أتاحت التلاعب المنهجي بالمظهر الجنسي للجمهور الافتراضي وباتجاهه الاجتماعي تجاه المتحدث، وجمعت الدراسة مجموعة بيانات شاملة من السلوك غير اللفظي المتعدد الوسائط، إلى جانب تقويمات ذاتية من المشاركين أنفسهم ومن خبير باستخدام استبانات مقننة وغير مقننة، ثم دمجت بين التحليل الإحصائي وأساليب التعلم الآلي للكشف عن الفروق والأنماط الكامنة في البيانات السلوكية والتقويمات معًا
ثانيًا: أبرز النتائج
1، لم يظهر أي أثر دال لجنس المتحدث في تجربته الانفعالية ولا في أدائه في الخطابة العامة داخل بيئة الواقع الافتراضي، وهو ما يشير إلى أن الانفعال والأداء لا يختلفان باختلاف جنس المتحدث في هذا السياق التدريبي
2، أبدى المتحدثون والمتحدثات أنماطًا متمايزة من السلوك غير اللفظي، وقد رُصد هذا التمايز عبر مسارين متوازيين هما تقويم الخبير والتحليل الآلي المتعدد الوسائط للسلوك، بما يعزز ثقة النتيجة بتقاطع مصدري الأدلة
3، أثر الاتجاه الاجتماعي للجمهور الافتراضي في التجربة الانفعالية للمشاركين وفي أدائهم المبلغ عنه ذاتيًا، فكلما تغير موقف الجمهور المحاكى تجاه المتحدث تغيرت مشاعره وتقديره لأدائه تبعًا لذلك
4، لم يرصد أي أثر دال للمظهر المؤنث أو المذكر للجمهور الافتراضي في تجربة المشاركين، وهو ما يوحي بأن الاتجاه الاجتماعي للجمهور أكثر تأثيرًا من مظهره الجنسي في تشكيل تجربة الإلقاء
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تسلط هذه النتائج الضوء على أهمية مراعاة التباين السلوكي عند دراسة الخطابة العامة وتقويمها في الواقع الافتراضي، فغياب الفروق بين الجنسين في الانفعال والأداء لا يعني تطابق السلوك غير اللفظي، ومن ثم ينبغي ألا تُبنى أدوات التقويم الآلي وأنظمة التغذية الراجعة على افتراضات موحدة تتجاهل اختلاف أنماط التعبير السلوكي بين المتحدثين، كما يستفيد مصممو بيئات التدريب الافتراضية من كون الاتجاه الاجتماعي للجمهور عاملًا مؤثرًا، فيولونه عناية في سيناريوهات المحاكاة بوصفه أداة لضبط مستوى التحدي والدعم، وتفيد هذه الرؤى الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في تصميم دراسات رصينة حول التدريب الغامر، وفي بناء أدوات تقويم تراعي الإنصاف والتنوع السلوكي معًا
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تبين أن جنس المتحدث لا يحدث فرقًا دالًا في التجربة الانفعالية أو الأداء الخطابي داخل الواقع الافتراضي، وإن ظلت الأنماط السلوكية غير اللفظية متمايزة بين الجنسين، وأن الاتجاه الاجتماعي للجمهور الافتراضي هو العامل المؤثر في تجربة المتحدث لا مظهره الجنسي، وهي نتائج تدعو إلى تقويم أكثر عدلًا وحساسية للسلوك في بيئات التدريب الغامرة وإلى مزيد من البحث في تفاعلات النوع الاجتماعي مع التقنية








