تتميز الميسوفونيا بردود فعل انفعالية وسلوكية سلبية قوية تجاه أصوات يومية محددة كأصوات المضغ والتنفس والكتابة، وترتبط باختلال وظيفي ملموس في حياة المصاب بها الدراسية والاجتماعية، وقد ركزت الدراسات السابقة في معظمها على ارتباطات الميسوفونيا بالمشاعر السلبية كالاكتئاب والقلق والضغط النفسي، بينما ظل معروفًا القليل عن كيفية ارتباط شدتها بالاندفاعية وبأبعاد محددة من أعراض الوسواس القهري في المجتمعات غير الإكلينيكية، وتأتي هذه الدراسة لتسد هذه الفجوة لدى طلاب الجامعات بفحص الاندفاعية الحركية وسلوك التحقق بوصفهما بعدين سلوكيين قد يتوسطان العلاقة بين المشاعر السلبية وشدة الميسوفونيا، وهو ما يهم الباحثين العرب في علم النفس الإكلينيكي والصحة النفسية الجامعية، ويكتسب موضوع الميسوفونيا حضورًا متزايدًا في أدبيات الصحة النفسية الحديثة بعد أن ظل طويلًا ظاهرة هامشية لا تحظى باعتراف تشخيصي مستقل، إذ يعاني المصابون بها في صمت داخل قاعات الدراسة وأماكن العمل والمنازل، وتتفاقم معاناتهم حين تفسر استجاباتهم بوصفها مبالغة أو حساسية شخصية عابرة، ومن ثم فإن توثيق انتشارها وعوامل ارتباطها لدى فئة الشباب الجامعي خطوة أساسية نحو الاعتراف بها علميًا وخدميًا وبناء استجابات إرشادية مناسبة داخل الجامعات ومراكز الدعم النفسي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقدير انتشار أعراض الميسوفونيا المرتفعة المحددة بدرجة القطع في استبيان الميسوفونيا بين طلاب الجامعات، ووصف الاستجابات الانفعالية والسلوكية تجاه الأصوات المثيرة، وفحص ما إذا كانت الاندفاعية الحركية والتحقق متورطين في الارتباطات بين أعراض الاكتئاب والقلق والضغط النفسي وشدة الميسوفونيا، وشارك في الدراسة المقطعية 562 طالبًا جامعيًا تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عامًا أكملوا استبيان الميسوفونيا ومقاييس الاكتئاب والقلق والضغط النفسي ومقياس بارات للاندفاعية بصورته المختصرة وقائمة مودزلي للوسواس القهري، وأجريت تحليلات مسار قائمة على النماذج لفحص الارتباطات المباشرة وغير المباشرة، وتميزت الدراسة بجمعها بين تقدير الانتشار وفحص النموذج التفسيري للعلاقات المباشرة وغير المباشرة في تصميم واحد، مما منح نتائجها قيمة وصفية وتفسيرية متزامنة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، استوفى 16.4 في المئة من المشاركين درجة القطع الخاصة بأعراض الميسوفونيا المرتفعة وفق استبيان الميسوفونيا، وهي نسبة تلفت الانتباه إلى حضور هذه الظاهرة في الوسط الجامعي
2، أظهرت شدة الميسوفونيا ارتباطات موجبة بأعراض الاكتئاب والقلق والضغط النفسي وبالاندفاعية الحركية وبسلوك التحقق جميعًا
3، بينت تحليلات المسار أن أعراض القلق والضغط النفسي ارتبطت مباشرة بشدة الميسوفونيا، بينما ارتبطت أعراض الاكتئاب بها ارتباطًا غير مباشر فقط عبر المتغيرات الوسيطة
4، لوحظت ارتباطات غير مباشرة دالة عبر الاندفاعية الحركية والتحقق، غير أن المسار غير المباشر عبر التحقق لم يكن دالًا فيما يخص القلق تحديدًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
ترتبط شدة الميسوفونيا إذن لا بالمشاعر السلبية وحدها بل كذلك بأبعاد متصلة بالاندفاعية والقهرية، وتسلط هذه النتائج الضوء على أهمية الاندفاعية الحركية والتحقق بوصفهما بعدين سلوكيين مرتبطين بشدة الميسوفونيا، وتؤكد ضرورة مراعاة السمات النفسية المرضية متعددة الأبعاد عند تقويم الميسوفونيا في المجتمعات غير الإكلينيكية، ويمكن أن تفيد هذه الرؤية مراكز الإرشاد الجامعي في تصميم فحوص أكثر شمولًا للطلاب الذين يعانون حساسية مفرطة تجاه الأصوات، وأن توجه بحوثًا عربية لاحقة نحو اختبار تدخلات تستهدف ضبط الاندفاعية وسلوكيات التحقق إلى جانب خفض المشاعر السلبية، كما تنبه الدراسة أعضاء هيئة التدريس وإدارات الجامعات إلى أثر البيئة الصوتية في قاعات الدراسة وقاعات الامتحانات في الطلاب المصابين بالميسوفونيا، وإلى إمكانية اتخاذ ترتيبات بسيطة تخفف من معاناتهم دون إخلال بانتظام العملية التعليمية، وتدعو إلى بحوث تدخلية تختبر برامج إدارة الانفعالات والتحكم في الاندفاعية لدى هذه الفئة من الطلاب
وخلاصة القول إن الميسوفونيا ظاهرة متعددة الأوجه تتقاطع فيها الانفعالات السلبية مع الاندفاعية والقهرية، وإن فهم هذا التقاطع يمثل خطوة ضرورية نحو تقويم أدق وتدخلات أنفع للطلاب المتأثرين بها في البيئة الجامعية، وهو ما يعزز مكانة هذا الحقل البحثي النامي في خطط أقسام علم النفس وبرامج الدراسات العليا المعنية بصحة الشباب النفسية ورفاههم الأكاديمي والاجتماعي








