يعد قانون أوكن من أشهر العلاقات التجريبية في الاقتصاد الكلي، إذ يربط بين تغيرات البطالة وتغيرات الناتج، فيفترض أن تسارع النمو الاقتصادي يصاحبه انخفاض في معدلات البطالة وأن الركود يقترن بارتفاعها، غير أن قوة هذه العلاقة وثباتها عبر البلدان ومراحل الدورة الاقتصادية ما يزالان موضع تساؤل، فالأسواق والهياكل المؤسسية تختلف من بلد إلى آخر، واستجابة سوق العمل للنمو في فترات التوسع قد لا تماثل استجابتها له في فترات الانكماش والتراجع
وإلى جانب الاختلاف بين البلدان يبرز سؤال الاعتماد المكاني، فالاقتصادات المجاورة تتشابك عبر التجارة والهجرة والصدمات المشتركة، ما قد يجعل حساسية البطالة للناتج في بلد ما مرتبطة بحساسيتها في جيرانه، ودراسة هذين البعدين معًا، عدم التماثل الدوري والترابط المكاني، تمنح صانعي السياسات فهمًا أدق لحدود أي سياسة تشغيل وطنية تعمل بمعزل عن محيطها الإقليمي وظروفها الهيكلية الخاصة بها، ويحتاج الباحثون في الاقتصاد الكلي التطبيقي وطلاب الدراسات العليا إلى هذا النوع من الأدلة العالمية الواسعة لأن النماذج المقدرة على بلد واحد أو مجموعة صغيرة من البلدان المتقدمة قد توحي بثبات وهمي لعلاقات تتغير بتغير الهياكل والمؤسسات ومراحل الدورة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقدير الصلاحية التجريبية لقانون أوكن وتباينه واعتماده المكاني في إطار عالمي، مستخدمة بيانات سنوية لما مجموعه 163 دولة خلال الفترة من عام 1992 إلى عام 2023، وقدرت مرونات البطالة تجاه الناتج الخاصة بكل دولة وفق مواصفتين قياسيتين هما نموذج فجوة الناتج ونموذج الفروق الأولى، وسمحت بتقدير عدم التماثل الدوري بالتمييز بين مرحلتي التوسع والركود، مع ضبط أثر الصدمة المشتركة لعام 2020 المرتبطة بجائحة كورونا، وفحصت الارتباط الذاتي المكاني للحساسيات الدورية عبر إحصاءات موران وفق مصفوفات أوزان بديلة للجيران الأقرب، وهي مصفوفات ترجح البلدان بحسب قربها الجغرافي من بعضها بعضًا
ثانيًا: أبرز النتائج
1، جاء معامل أوكن سالبًا وذا دلالة إحصائية في معظم البلدان، مؤكدًا العلاقة العكسية بين الناتج والبطالة، غير أن مقداره كان شديد التباين بين البلدان ومختلفًا بانتظام عبر مجموعات الدخل المختلفة
2، لم يغير ضبط صدمة عام 2020 الدلالة الإحصائية تغيرًا ذا بال لدى معظم البلدان، لكنه أحدث تحولات ذات مغزى اقتصادي في مقدار المعامل لدى مجموعة غير قليلة منها، ما حسن قابلية المقارنة بين البلدان
3، وثقت الدراسة عدم تماثل واضحًا في العلاقة، إذ جاءت المرونات في المتوسط أقوى خلال فترات الركود منها خلال فترات التوسع، ولا سيما لدى الاقتصادات متوسطة الدخل ومرتفعة الدخل على وجه الخصوص
4، كشفت إحصاءات موران عن ارتباط ذاتي مكاني موجب ودال في الحساسيات الدورية عبر مصفوفات أوزان الجيران الأقرب البديلة، وكانت هذه التبعية المكانية أقوى خلال فترات الركود منها في فترات التوسع
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تدفع هذه النتائج نحو تصميم سياسات سوق عمل مضادة للدورة تراعي عدم التجانس الهيكلي بين البلدان، فسياسة واحدة لا تصلح للجميع حين تختلف المرونات باختلاف مستوى الدخل ومرحلة الدورة، كما تدعو إلى تنسيق تلك السياسات إقليميًا خلال فترات التراجع الاقتصادي ما دامت الحساسيات مترابطة مكانيًا وأشد ترابطًا في الأزمات، ويستفيد الباحثون الاقتصاديون العرب من هذا الإطار العالمي في تقدير مرونات بلدانهم ومقارنتها بجيرانها بدل الاكتفاء بمعامل عالمي متوسط يخفي فروقًا جوهرية بين الاقتصادات ومؤسساتها، كما تذكر بأن اختبارات الارتباط المكاني ينبغي أن تصبح جزءًا معتادًا من التحليل القياسي لسلاسل الاقتصاد الكلي المقارنة، لا خطوة تكميلية تضاف في نهاية البحث، لأن تجاهل التبعية بين البلدان المجاورة قد يشوه الاستدلال ويضخم دقة التقديرات
وخلاصة القول إن قانون أوكن صالح في عمومه عبر العالم لكنه غير متماثل وغير مستقل مكانيًا، فالبطالة تستجيب للناتج بقوة أكبر في الركود، وتتشابه البلدان المتجاورة في حساسياتها الدورية، ومن ثم فإن سياسات التشغيل الرشيدة هي التي تصمم بحسب هيكل كل اقتصاد وتنسق مع جيرانه حين تشتد الأزمات








