يمكن أن يؤدي انخفاض جودة المناخ الداخلي في المتاحف إلى تدهور المقتنيات المعروضة من جهة، وإلى الإضرار بصحة الزوار والموظفين والمرممين من جهة أخرى، فالهواء الداخلي ليس عنصر راحة فحسب، بل عامل حاسم في حفظ التراث الثقافي المبني وفي سلامة من يتعاملون معه يوميًا، وتزداد أهمية هذه القضية في زمن تغير المناخ الذي يفرض ضغوطًا حرارية ورطوبية متصاعدة على المباني التاريخية ويجعل ضبط بيئتها الداخلية مهمة أكثر تعقيدًا وحساسية مما كانت عليه في العقود الماضية
وتنطلق الدراسة من أن إدراك مستخدمي الفضاءات المتحفية لجودة الهواء الداخلي يمثل مؤشرًا مهمًا لا يقل عن القياسات الفيزيائية، لأن الأعراض والانزعاجات التي يشعر بها الزوار والعاملون تكشف عن مشكلات قد لا ترصدها الأجهزة وحدها، كما تساعد على فهم العلاقة بين خصائص البيئة الداخلية والحالات الصحية السابقة للأفراد، وهو فهم تحتاج إليه إدارات المتاحف عند وضع سياسات التهوية والتكييف والصيانة الوقائية للمباني التراثية التي توازن بين حماية الأثر وراحة الإنسان وصحته، ويزداد هذا الاهتمام وجاهة حين يتعلق الأمر بمتاحف قائمة في مبان تاريخية أصيلة لا تحتمل تدخلات إنشائية واسعة، فيغدو التشخيص الدقيق لانطباعات المستخدمين مدخلًا لا غنى عنه لأي معالجة رشيدة وموثوقة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بحث تصورات زوار متحف دارفاس لا روش في رومانيا وموظفيه تجاه جودة الهواء في قاعات العرض، واعتمدت على استبانة مكونة من أحد عشر بندًا تناولت تأثير البيئة الداخلية في صحة الأفراد ودرجة الانزعاج التي يسببها الهواء الداخلي وما إذا كان المستجيبون قد عانوا أعراضًا مرضية بعد زيارة المتحف، وحللت البيانات إحصائيًا ببرنامج الحزمة الإحصائية للعلوم الاجتماعية في إصداره الثامن والعشرين، باستخدام اختبارات المعاملات وتحليل التباين وملخص النموذج، للوصول إلى ارتباطات بين مجموعات المتغيرات المدروسة وتفسير العلاقات القائمة بينها
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أدرك أغلب المستجيبين جودة الهواء الداخلي بوصفها جيدة في عمومها، ما يشير إلى أن الانطباع العام عن بيئة المتحف الداخلية كان إيجابيًا لدى معظم الزوار والموظفين على حد سواء
2، أبلغت نسبة تقارب عشرين في المئة من المستجيبين عن أعراض مختلفة أثارها الهواء الداخلي لديهم، فلم تكن التجربة مريحة للجميع رغم الانطباع العام الجيد الذي سجلته الأغلبية
3، كان أغلب المتأثرين ممن يعانون حالات صحية موجودة سلفًا أو ممن يرتدون العدسات اللاصقة أو من المدخنين، وهي فئات تبدو أكثر حساسية لعيوب البيئة الداخلية من سواها
4، أظهرت التحليلات الإحصائية الرياضية ارتباطات قوية لدى هؤلاء المتأثرين بين عللهم الصحية التي يعانونها وظهور انزعاجات محددة ناجمة عن انخفاض درجة الحرارة أو ارتفاعها أو عن الغبار أو جفاف الهواء
5، تمثلت الأعراض المبلغ عنها في احتقان الأنف وتهيج العينين والجلد والسعال والصداع النصفي ونزلات البرد المتكررة، وهي أعراض تتسق مع ما تعرفه الأدبيات الصحية عن آثار البيئات الداخلية غير الملائمة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز هذه النتائج أن تقويم جودة الهواء في متاحف التراث لا ينبغي أن يقتصر على رصد أثره في المقتنيات، بل يجب أن يشمل صحة المستخدمين ولا سيما الفئات الأكثر حساسية كأصحاب الحالات الصحية السابقة ومرتدي العدسات والمدخنين، وأن على إدارات المتاحف ضبط درجات الحرارة والرطوبة والغبار عند مستويات تحمي الإنسان والأثر معًا، كما تفيد الباحثين في التراث المبني والبيئة الداخلية بأن الاستبانات الإدراكية أداة مكملة للقياسات الموضوعية لا بديل عنها، وأن دراسات أوسع في متاحف تراثية عربية يمكن أن تبني على هذا التصميم للكشف عن خصوصية مبانينا التاريخية ومناخاتها المحلية، كما تمنح طلاب الدراسات العليا في التراث والبيئة نموذجًا منهجيًا جاهزًا للاقتداء به وتكييفه
وخلاصة القول إن هواء متحف دارفاس لا روش الداخلي بدا جيدًا لأغلب مستخدميه، لكن أقلية ليست يسيرة عانت أعراضًا ارتبطت بقوة بحالاتها الصحية السابقة وبعيوب محسوسة في الحرارة والغبار وجفاف الهواء، ما يؤكد أن إدارة المناخ الداخلي في التراث المبني قضية حفظ للآثار وصحة عامة للإنسان في آن واحد








