يفرض العصر الرقمي على طلاب الجامعات امتلاك كفايات تقنية كافية للتعامل بنجاح مع المتطلبات الأكاديمية ومتطلبات سوق العمل المتطورة، ولا يستثنى من ذلك طلاب طب الأسنان الذين باتت ممارستهم التعليمية والمهنية مشبعة بالأدوات والمنصات الرقمية في التشخيص والعلاج والتواصل وإدارة المعلومات، ومن هنا تبرز أهمية التعرف إلى مستوى الكفاءة الرقمية كما يدركها الطلاب أنفسهم، والكشف عن جوانب القوة والضعف الخاصة بكل مجال من مجالاتها، بوصف ذلك أساسًا لتطوير المناهج وبناء بحوث لاحقة أكثر عمقًا
ويهم هذا الموضوع الباحثين وطلاب الدراسات العليا في تكنولوجيا التعليم والتعليم الطبي، لأن الأطر المرجعية العالمية للكفاءة الرقمية توفر لغة مشتركة لقياس هذه الكفايات ومقارنتها عبر السياقات، وتساعد كليات طب الأسنان على مواءمة برامجها مع ما يتوقعه الطلاب والممارسون من بيئات أكاديمية ومهنية وسيطة رقميًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف الكفاءة الرقمية لدى طلاب طب الأسنان عام 2024 مع التركيز على جاهزيتهم المدركة ذاتيًا للبيئات الأكاديمية والمهنية الوسيطة رقميًا، واعتمدت تصميمًا مقطعيًا طبق على 169 طالبًا في طب الأسنان بجامعة جنديسابور في الأهواز، باستخدام استبانة ذاتية الإدارة مؤسسة على إطار الكفاءة الرقمية الأوروبي في إصداره الثاني المحدّث، وحللت البيانات بأساليب إحصائية وصفية واستدلالية لاستخراج مستوى الكفاءة عبر مجالات الإطار الثمانية واختبار علاقته بالمتغيرات الديموغرافية والأكاديمية لدى المشاركين
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أبلغ المشاركون عن مستوى مرتفع نسبيًا من الكفاءة الرقمية المدركة ذاتيًا، إذ بلغ المتوسط العام 71.55 بانحراف معياري قدره 12.48 عبر مجالات إطار الكفاءة الرقمية الثمانية
2، لم تظهر فروق دالة إحصائيًا في الدرجات الإجمالية للكفاءة الرقمية بحسب الجنس أو العمر أو السنة الدراسية أو مدة استخدام الإنترنت اليومي
3، توحي غياب الفروق بأن هذه العوامل الديموغرافية لم ترتبط بتباين الكفاءة الرقمية المدركة داخل هذا الفوج من طلاب طب الأسنان
4، أبرزت النتائج نقاط قوة وضعف خاصة بمجالات بعينها كما يدركها الطلاب، بما يوفر صورة استكشافية أولية عن توزع الكفايات الرقمية بين المجالات المختلفة لا عن مستواها الإجمالي فحسب
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم هذه الدراسة نظرة استكشافية عامة على الكفاءة الرقمية المدركة ذاتيًا لدى طلاب طب الأسنان استنادًا إلى إطار مرجعي دولي، غير أن طبيعة بياناتها القائمة على التقرير الذاتي وتصميمها المقطعي يفرضان الحذر في تفسير النتائج، بحيث تصلح أساسًا لبحوث مستقبلية وفحوص موجهة نحو المناهج أكثر من كونها حكمًا نهائيًا على الكفاية الفعلية للطلاب، وهي دلالة تفيد كليات طب الأسنان في التفكير بتطوير مقرراتها الرقمية، كما تفيد الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا الراغبين في تطبيق أطر الكفاءة الرقمية العالمية على طلاب التخصصات الصحية وقياس الفجوات بين الإدراك الذاتي والأداء الفعلي
ويعد إطار الكفاءة الرقمية الأوروبي من أكثر الأطر المرجعية انتشارًا في العالم لتوصيف ما ينبغي أن يعرفه المواطن والمهني ويقدر على أدائه في البيئة الرقمية، إذ يوزع الكفاية على مجالات تشمل المعلومات والبيانات والتواصل والتعاون وإنشاء المحتوى الرقمي والسلامة وحل المشكلات، وتوظيفه في سياق كلية لطب الأسنان يتيح مقارنة ميسرة مع دراسات مشابهة أجريت في بلدان وتخصصات مختلفة حول العالم، وتنبه الدراسة في الوقت ذاته إلى خطورة الاكتفاء بمؤشرات الإدراك الذاتي عند اتخاذ قرارات المناهج، فالثقة الرقمية العالية قد تخفي قصورًا فعليًا في مجالات حساسة كالسلامة الرقمية وتقويم المعلومات الصحية المتداولة على الشبكة، كما يعين توحيد أدوات القياس المؤسسة على أطر مرجعية معلنة على بناء قواعد بيانات مقارنة ترصد تطور الكفايات الرقمية لدى طلاب العلوم الصحية عبر الزمن والبرامج والجامعات المختلفة
وخلاصة القول إن طلاب طب الأسنان المدروسين أدركوا كفاءتهم الرقمية عند مستوى مرتفع نسبيًا بمتوسط 71.55 عبر مجالات الإطار الأوروبي الثمانية، دون فروق مرتبطة بالجنس أو العمر أو السنة الدراسية أو زمن استخدام الإنترنت، وتبقى الحاجة قائمة إلى دراسات لاحقة تقيس الكفاءة الفعلية وتوجه تطوير المناهج الرقمية في التعليم الطبي








