يعد اتخاذ القرار السريع والدقيق تحت الضغط عاملًا بشريًا حاسمًا في سلامة الطيران، إذ قد يواجه الطيار أعطالًا مفاجئة كتعطل المحرك أو الانحراف عن المدرج تتطلب استجابة فورية محسوبة العواقب، غير أن الطيارين يتفاوتون تفاوتًا واسعًا في قدرتهم على اتخاذ قرارات سريعة ودقيقة في ظروف الطوارئ والضغط المرتفع، ما يجعل كشف السمات الفردية والآليات العصبية الكامنة وراء تأخر القرار ضروريًا للحد من المخاطر الجوية وتطوير برامج انتقاء الطيارين وتدريبهم
وتبرز حساسية المعالجة الحسية بوصفها سمة فردية قد تحمل تفسيرًا مهمًا لهذا التفاوت، إذ يتميز الأشخاص مرتفعو الحساسية بمعالجة أعمق للمثيرات الحسية واستجابة أقوى للمنبهات البيئية المحيطة، وهو ما قد ينعكس على سرعة قراراتهم وجودة أدائهم في المواقف عالية الخطورة، كما قد يتوسط التردد مسار هذه العلاقة أو تعدلها آليات عصبية في القشرة الجبهية الأمامية، وهي فرضيات متكاملة سعت الدراسة إلى اختبارها بأدلة سلوكية وعصبية مجتمعة في نموذج موحد
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
استقطبت الدراسة 51 طالب طيار من الذكور وصنفتهم في مجموعتين مرتفعة ومنخفضة الحساسية الحسية بحسب درجاتهم في مقياس الشخص عالي الحساسية، وأدى جميع المشاركين مهام هبوط محاكاة في ظرفين للخطورة، ظرف عال تمثل في تعطل المحرك مقترنًا بقص الرياح، وظرف منخفض تمثل في قص الرياح وحده، وقيس زمن القرار السلوكي والأداء الكلي للطيران ودرجة تنشيط القشرة الجبهية الأمامية الجانبية الظهرية متمثلة في منطقة برودمان التاسعة باستخدام مطيافية الأشعة تحت الحمراء الوظيفية القريبة، وحللت البيانات بتحليلات تباين مختلطة التصميم وتحليلات وساطة وتحليلات وساطة معدلة للكشف عن العلاقات المباشرة وغير المباشرة والمعدلة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج منظومة متكاملة من العوامل السماتية والسلوكية والعصبية التي تفسر تأخر القرار لدى الطيارين تحت الضغط، وأبرزها ما يأتي
1، استغرق الطيارون مرتفعو الحساسية الحسية أزمنة قرار أطول بصورة دالة مقارنة بمنخفضي الحساسية، إذ بلغت قيمة ف 7.67 عند مستوى دلالة 0.008
2، ظهر أثر تفاعلي دال بين الحساسية الحسية ومستوى الخطورة في الأداء الكلي للطيران، إذ سجل مرتفعو الحساسية درجات أداء أدنى بصورة دالة في الظروف عالية الخطورة تحديدًا عند مستوى دلالة أدنى من 0.001
3، توسط التردد العلاقة بين الحساسية الحسية وزمن القرار توسطًا دالًا، إذ بلغ الأثر غير المباشر 0.039 ضمن فاصل ثقة امتد من 0.0031 إلى 0.0792
4، عدل تنشيط منطقة برودمان التاسعة في القشرة الجبهية الأمامية العلاقة بين التردد وتأخر القرار، إذ بلغ معامل التفاعل 0.409 عند مستوى دلالة 0.014، بما يعني أن الانخراط العصبي الأعلى في هذه المنطقة يضخم أثر التردد في إبطاء القرار
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى أن الحساسية الحسية والتردد يساهمان معًا في تأخر اتخاذ القرار وتدني الأداء الطيراني تحت الضغط، وأن انخراط القشرة الجبهية الأمامية الجانبية الظهرية يضخم هذا التأخير بدل تعويضه، وتجمع الدراسة بهذا بين العوامل السماتية والسلوكية والعصبية في نموذج موحد لأداء القرار في الطيران، وهو نموذج يفيد جهات تدريب الطيارين وانتقائهم في البيئات العربية والعالمية، إذ ينبه إلى ضرورة مراعاة الفروق الفردية في الحساسية الحسية عند تصميم سيناريوهات المحاكاة التدريبية، وبناء تدريبات موجهة تستهدف إدارة التردد وتعزيز الحسم في مواقف الطوارئ عالية الخطورة قبل وقوعها فعليًا
وتوضح هذه النتائج للباحثين في علم النفس المعرفي وهندسة العوامل البشرية أهمية الجمع بين القياسات السلوكية والتقنيات العصبية المحمولة في بيئات محاكاة واقعية، إذ يتيح هذا الجمع رصد العمليات المعرفية أثناء الأداء الفعلي لا بعده، كما يدعم توجهًا متناميًا نحو فهم الفروق الفردية في المهن عالية الخطورة فهمًا شاملًا يوازن بين متطلبات السلامة ورفاه العاملين وأدائهم المهني في آن واحد
وخلاصة القول إن سرعة قرار الطيار في مواقف الطوارئ ليست مهارة تقنية خالصة، بل نتاج تفاعل معقد بين سماته الحسية الفردية وميوله السلوكية وآلياته العصبية، وفهم هذا التفاعل فهمًا علميًا دقيقًا يفتح أفقًا لتطوير تدريب طيراني أكثر تخصيصًا وانتقاء أدق للطيارين، بما يعزز سلامة الطيران ويحد من المخاطر المرتبطة بتأخر القرار في اللحظات الحرجة من الرحلة الجوية








