تحظى المهارة السياسية للموظف باهتمام متزايد في أدبيات السلوك التنظيمي، إذ تمثل كفاءة اجتماعية وعلائقية تمكن صاحبها من فهم الآخرين والتأثير فيهم وبناء شبكات علاقات مثمرة داخل المنظمة، وقد أظهرت دراسات سابقة أن هذه المهارة تؤثر إيجابيًا في تكوين علاقات تبادل عالية الجودة بين القائد ومرؤوسيه، وهي علاقات تنعكس بدورها على النتائج المهنية للموظفين وفي مقدمتها قابليتهم للترقية والتقدم الوظيفي
غير أن الشروط الحدية التي تعدل هذه العلاقة ما تزال غير مستكشفة بالقدر الكافي، ولا سيما من منظور يجمع بين رأس المال المهني والتبادل الاجتماعي معًا، فالمهارة السياسية بوصفها قدرة اجتماعية قد لا تتحول تلقائيًا إلى رأس مال علاقي محقق ما لم تدعمها كفاءة حقيقية في أداء المهام، ومن هنا اقترحت الدراسة أن يقوي أداء المهام، بوصفه رأس مال بشريًا، الرابطة بين المهارة السياسية وجودة التبادل بين القائد والمرؤوس، بما يعزز بدوره قابلية الموظف للترقية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
انطلقت الدراسة من منظورين نظريين متكاملين هما منظور رأس المال المهني ومنظور التبادل الاجتماعي، وبنت نموذجًا يفترض أن أداء المهام يعدل العلاقة بين المهارة السياسية للموظف وجودة التبادل بين القائد والمرؤوس، وأن هذه الجودة المرتفعة تنقل بدورها الأثر إلى قابلية الترقية، واختبرت الفرضيات بتحليل بيانات 200 ثنائي من المشرفين ومرؤوسيهم، في تصميم يراعي تنويع مصادر البيانات بين أطراف العلاقة الإشرافية، ما يعزز موثوقية النتائج ويقلل من تحيزات القياس ذات المصدر الواحد
ثانيًا: أبرز النتائج
جاءت نتائج التحليلات داعمة للنموذج المقترح في مكوناته وعلاقاته الرئيسة، وتبرز أهم النتائج فيما يأتي
1، دعمت تحليلات بيانات الثنائيات فرضيات الدراسة، بما يؤكد أن المهارة السياسية للموظف ترتبط بتكوين علاقات تبادل عالية الجودة بينه وبين قائده المباشر
2، اتضح أن أداء المهام يقوي الرابطة بين المهارة السياسية وجودة التبادل، فحين يقترن الذكاء الاجتماعي للموظف بكفاءة أداء حقيقية وملموسة تتحول قدرته العلائقية إلى رأس مال اجتماعي علاقي محقق وفاعل
3، ارتبطت جودة التبادل بين القائد والمرؤوس بتعزيز قابلية الموظف للترقية، بما يبين أن العلاقات المهنية الراسخة مع القيادة قناة مؤثرة في التقدم الوظيفي والاعتراف المؤسسي
4، أكدت النتائج أن الأثر الإيجابي للمهارة السياسية لا يعمل منفصلًا عن كفاءة الأداء، بل يتفاعل معها تفاعلًا منتجًا ضمن منظومة رأس المال المهني والتبادل الاجتماعي مجتمعين
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج مضامين جوهرية لنظرية السلوك التنظيمي وللممارسة الإدارية على حد سواء، فعلى المستوى النظري توسع النتائج فهم الشروط الحدية لفاعلية المهارة السياسية بإبرازها أداء المهام شرطًا معدلًا جوهريًا، وعلى المستوى العملي تنبه المديرين إلى أن تقويم الموظفين لأغراض الترقية ينبغي أن يوازن بين الكفاءات الاجتماعية والأداء الفعلي للمهام، كما تنبه الموظفين إلى أن بناء العلاقات المهنية وحده لا يكفي ما لم يقترن بإنجاز ملموس يوثق جدارتهم، وهي دلالات قابلة للتطبيق في المنظمات العربية حيث تتشابك العلاقات الاجتماعية ومسارات الترقي الوظيفي بصورة وثيقة تستحق الدراسة المنهجية المعمقة
وتذكر هذه النتائج الباحثين في إدارة الموارد البشرية والسلوك التنظيمي بأهمية التصميمات البحثية ثنائية المصدر التي تجمع بيانات المشرفين والمرؤوسين معًا، إذ تخفف من انحياز الطريقة المشتركة وترفع صدق الاستنتاجات حول العلاقات التنظيمية الدقيقة، كما تشجع طلاب الدراسات العليا على تناول المفاهيم العلائقية، مثل المهارة السياسية والتبادل الاجتماعي، بوصفها ظواهر تفاعلية لا خصائص فردية منعزلة، وعلى فحص شروطها الحدية في بيئات تنظيمية عربية تتسم بخصوصيات ثقافية واجتماعية تستحق التوثيق العلمي الرصين
وخلاصة القول إن المهارة السياسية للموظف مورد مهني واجتماعي مؤثر يعزز جودة علاقته بقائده المباشر وقابليته للترقية والتقدم، غير أن فاعليتها تبلغ ذروتها حين تسندها كفاءة حقيقية في أداء المهام، وتفتح هذه النتيجة آفاقًا واعدة لبحوث لاحقة تفحص تفاعلات رأس المال البشري والاجتماعي والعلائقي في تفسير النجاح المهني داخل المنظمات المعاصرة








