تعد اضطرابات العضلات والعظام من أبرز أسباب الغياب عن العمل لدى العاملين في الرعاية الصحية، لما تتركه من أثر مباشر في استمرارية تقديم الرعاية وجودتها، ويواجه العاملون في صحة الأطفال مطالب بدنية خاصة بهم، من قبيل رفع الأطفال وحملهم واتخاذ أوضاع جسدية مرهقة أثناء الفحص والعلاج والتمريض، وقد ارتفع الغياب عن العمل عمومًا خلال جائحة فيروس كورونا بفعل العدوى والحجر والإنهاك، غير أن أثر الجائحة تحديدًا في إجازات الغياب المرتبطة باضطرابات العضلات والعظام لدى العاملين في صحة الأطفال ظل غير واضح، وبخاصة مع احتمال أن تكون ضغوط الجائحة قد فاقمت الأحمال البدنية والنفسية على هذه الفئة أو غيرت أنماط الغياب الموسمية المعتادة، ومن هنا تنبع أهمية تتبع اتجاهات هذا الغياب قبل الجائحة وأثناءها وبعدها للوصول إلى فهم أدق يمهد لاستراتيجيات وقائية مستنيرة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص اتجاهات الغياب المرتبط باضطرابات العضلات والعظام لدى العاملين في الرعاية الصحية للأطفال في مستشفى روماني عبر ثلاث فترات، هي فترة ما قبل الجائحة من 2017 إلى 2019، وفترة الجائحة من 2020 إلى 2021، وفترة ما بعد الجائحة من 2022 إلى 2023، واعتمدت الدراسة تصميمًا رصديًا رجعيًا مستندًا إلى سجلات قاعدة بيانات الصحة المهنية في المستشفى، وشملت جميع العاملين الذين حصلوا على إجازة مرتبطة باضطرابات العضلات والعظام خلال الأعوام من 2017 إلى 2023، وتضمنت التشخيصات المشمولة اعتلالات المفاصل، واعتلالات الظهر، واضطرابات أخرى في الجهاز العضلي العظمي والنسيج الضام، والإصابات الحادة والكسور، واستخدمت اختبارات مربع كاي وتحليل التباين ونماذج الانحدار لتحديد الاتجاهات والعوامل المنبئة بمدة الإجازة وخصائصها عبر الفترات الثلاث
ثانيًا: أبرز النتائج
1، حللت الدراسة ما مجموعه 3388 حالة غياب مرتبطة باضطرابات العضلات والعظام، وارتفع الغياب في فترة ما بعد الجائحة ارتفاعًا دالًا بلغت نسبته 40.1 في المئة، بما يشير إلى أن آثار الجائحة على صحة الجهاز العضلي العظمي للعاملين لم تنته بانتهاء ذروتها بل استمرت وتراكمت في الأعوام التالية
2، تركز الغياب ما بعد الجائحة في فئات بعينها، إذ بلغت نسبة النساء 86.8 في المئة من الحالات، ونسبة الممرضين والممرضات 46.7 في المئة، ونسبة من بلغت أعمارهم 46 عامًا فأكثر 62.7 في المئة، وهو ما يعكس تقاطع الأعباء البدنية مع التقدم في العمر وطبيعة المهام التمريضية المباشرة مع الأطفال المرضى
3، لوحظ تحول موسمي واضح في توقيت الغياب، إذ حلت ذروات الربيع محل ذروات الخريف السابقة للجائحة، فبلغت الحالات ذروتها في شهري مارس بنسبة 9.7 في المئة ومايو بنسبة 9.9 في المئة بعد الجائحة، بعد أن كانت الذروة خريفية في أكتوبر بنسبة 11.9 في المئة ونوفمبر بنسبة 12.8 في المئة قبل الجائحة
4، حددت نماذج الانحدار العمر والمهنة ونوع التشخيص بوصفها عوامل منبئة دالة بمدة الإجازة، وهو ما يعني أن طول الغياب ليس عشوائيًا بل يرتبط بخصائص العامل وطبيعة إصابته، وبما يتيح توقع الأحمال الغيابية والتخطيط لها مسبقًا في وحدات صحة الأطفال
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير الزيادة الدالة في الغياب المرتبط باضطرابات العضلات والعظام بعد الجائحة وتغير أنماطه الموسمية إلى حاجة إدارات المستشفيات إلى استراتيجيات استباقية قائمة على الأدلة لدعم العاملين في صحة الأطفال، تشمل تقويم المخاطر البدنية في بيئة العمل، وبرامج لياقة وتأهيل وقائي، وجدولة تراعي ذروات الغياب المتحولة موسميًا، كما تبرز العوامل المنبئة المحددة بالتحليل متعدد المتغيرات، وهي العمر والمهنة ونوع التشخيص، إمكانية استهداف الفئات الأعلى عرضة بتدخلات مبكرة تقلل احتمالات الغياب ومدته، بما يعزز مرونة القوى العاملة واستدامة أداء الرعاية الصحية، ويمكن للمستشفيات العربية وطلاب الدراسات العليا في الصحة المهنية وإدارة الخدمات الصحية الإفادة من منهج هذه الدراسة في تحليل سجلات الغياب المحلية عبر فترات ممتدة، واستكشاف ما إذا كانت التحولات نفسها قد طرأت على أنماط الغياب في البيئات الصحية العربية إبان الجائحة وبعدها
وخلاصة القول إن الغياب المرتبط باضطرابات العضلات والعظام لدى العاملين في صحة الأطفال ارتفع بعد الجائحة وتغيرت موسميته وتركز في النساء والتمريض وكبار السن من العاملين، وهو ما يستدعي خططًا وقائية وإدارية استباقية تحمي صحة هذه الفئة الحيوية وتحافظ على استمرارية رعاية الأطفال المرضى وجودتها








