يجمع الطب الأكاديمي بين البحث العلمي والتدريس والرعاية السريرية في مسار مهني واحد، ويشكل ركيزة لتقدم المعرفة الطبية وإعداد الأجيال الجديدة من الأطباء، غير أن جاذبية هذا المسار أخذت في التراجع خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما بين النساء اللواتي ما يزلن ممثلات تمثيلا ناقصا فيه، وهو تراجع يثير قلق المؤسسات الطبية والجامعية بشأن مستقبل البحث والتعليم الطبيين وقدرتهما على استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها
وعلى الرغم من أن الأدبيات السابقة أبرزت الدور المركزي للاهتمام بالبحث في تشكيل النوايا المهنية الأكاديمية، ظلت العمليات المعرفية والسياقية الكامنة وراء هذه النوايا خلال فترة الإقامة الطبية غير مفهومة بما يكفي، وهنا تبرز نظرية المسار المهني المعرفية الاجتماعية إطارا تفسيريا مناسبا، إذ ترى أن النوايا المهنية تتشكل من تفاعل معتقدات الفرد عن كفاءته الذاتية وتوقعاته للنتائج وخبرات تعلمه والسياقات المحيطة به، كما تتيح التمييز بين ما يعود إلى خصائص الفرد ذاته وما يعود إلى البيئة التعليمية والمؤسسية، وهو تمييز حاسم عند تصميم تدخلات تهدف إلى رفع جاذبية المسارات الأكاديمية
وتشمل فترة الإقامة الطبية سنوات التدريب التخصصي التي يمضيها الطبيب الشاب في المستشفيات الجامعية وغيرها، وهي فترة مكثفة تتشكل خلالها الهوية المهنية والطموحات المسارية، ويتحدد فيها ما إذا كان الطبيب سيتجه إلى الممارسة السريرية وحدها أو سيضيف إليها البحث والتدريس، ولذلك تحظى هذه الفترة باهتمام خاص في دراسات المسارات المهنية الطبية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة إلى فحص العوامل المؤثرة في نية الأطباء المقيمين لمتابعة مسار مهني في الطب الأكاديمي، واعتمدت تصميما مقطعيا شمل 1570 طبيبا مقيما فرنسيا أكملوا استبانة إلكترونية، وانطلقت من إطار نظرية المسار المهني المعرفية الاجتماعية لفحص العلاقات بين خبرات التعلم ممثلة في الرضا الأكاديمي والضغط المدرك، والكفاءة الذاتية، وتوقعات النتائج مقاسة بمركزية العمل، والاهتمام المهني بالبحث، ونية متابعة مسار في الطب الأكاديمي، واستخدمت نماذج انحدار ترتيبي هرمي للتنبؤ بهذه النية، ونمذجة معادلات بنائية لاستكشاف تشكل الاهتمام المهني بالبحث، مع فحص الجنس وخبرات البحث السابقة مثل الماجستير والدكتوراه عوامل معدلة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أبلغ المقيمون إجمالا عن نية منخفضة لمتابعة مسار في الطب الأكاديمي، وعبرت النساء عن نوايا أدنى بدلالة إحصائية مقارنة بالرجال، بما يعكس فجوة نوعية مبكرة في هذا المسار
2، برز الاهتمام المهني بالبحث أقوى متنبئ بنية المسار الأكاديمي، تلته خبرات البحث والإرشاد الأكاديمي، وأسهمت توقعات النتائج ممثلة في مركزية العمل إسهاما دالا في هذه النوايا
3، دعمت نمذجة المعادلات البنائية افتراضات مركزية للنظرية، إذ ارتبط الضغط المدرك سلبا بالكفاءة الذاتية، وارتبط الرضا الأكاديمي إيجابا بتوقعات النتائج، وأدت مركزية العمل دورا محوريا في تشكيل الاهتمام المهني بالبحث
4، فسرت الفروق بين الجنسين في النوايا المهنية إلى حد كبير بفوارق خبرات التعلم وفرص البحث، لا بفروق في توقعات النتائج، وأشارت تحليلات التعديل إلى أنماط نوعية خاصة عند مستويات متقدمة من الانخراط البحثي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير هذه النتائج إلى أن تعزيز الانخراط الأكاديمي المبكر يمر عبر بوابات عملية منها تهيئة بيئات تعلم إيجابية تقلل الضغط وترفع الرضا، وتوفير انكشاف بحثي مبكر ومنظم منذ سنوات الإقامة الأولى، وضمان وصول عادل إلى الإرشاد الأكاديمي، وهي دروس تصلح للباحثين العرب وصانعي سياسات التعليم الطبي في المنطقة، حيث تستحق قضايا استقطاب النساء إلى البحث والتدريس الجامعي الطبيين اهتماما خاصا بدراسات ميدانية تراعي السياقات المؤسسية والثقافية المحلية
وتنسجم هذه الخلاصات مع أدبيات أوسع حول الإرشاد الأكاديمي والعدالة في الفرص البحثية، فحين تتاح خبرات البحث والإشراف الداعم بصورة متفاوتة بين المقيمين والمقيمات، تتراكم فجوات النوايا المهنية مبكرا ويصعب تداركها لاحقا، ما يستدعي سياسات مؤسسية واعية تقيس هذه الفجوات وتعالجها قبل أن تتحول إلى تمثيل ناقص مزمن في هيئات التدريس والقيادات البحثية الطبية
وخلاصة القول إن نظرية المسار المهني المعرفية الاجتماعية أثبتت ملاءمتها لفهم نوايا الطب الأكاديمي، وإن الاهتمام بالبحث وخبرات التعلم السياقية هما مفتاحا بناء جيل جديد من الأطباء الأكاديميين، بما يخدم استدامة البحث والتعليم الطبيين








