يرتبط الأكل العاطفي بتدني جودة الغذاء واكتساب الوزن لدى طلاب الجامعات، إذ يلجأ كثير منهم إلى الطعام استجابة للمشاعر السلبية وضغوط الدراسة بدل إشارات الجوع الحقيقية، ومن هنا تبرز الحاجة إلى تدخلات مبتكرة غير جراحية وغير دوائية تدعم استجابات غذائية أصح، وتعد البيئات متعددة الحواس مرشحًا واعدًا في هذا الاتجاه لما تملكه من قدرة على توجيه الانفعالات والانتباه ومن ثم السلوك الغذائي
ومع أن البيئات متعددة الحواس أظهرت إمكانات في التأثير في الاستجابات المتصلة بالطعام، فإن فاعليتها في إدارة الأكل العاطفي المستثار بالضغط ما تزال قليلة الدراسة، فجاءت هذه الدراسة لتختبر أثر توليفات اللون والصوت داخل بيئة واقع افتراضي غامرة في الانفعالات والتعافي الفسيولوجي وتفضيلات الطعام واشتهائه لدى طلاب جامعيين بعد استثارة عاطفية مقصودة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص أثر الإشارات البيئية متعددة الحواس في اشتهاء الطعام وتفضيل الغذاء الصحي والتعافي المرتبط بالضغط، مستندة إلى نموذج البيئة والكائن والصحة، واستخدمت منصة واقع افتراضي غامرة جند لها تسعة وأربعون طالبًا جامعيًا صينيًا، وبعد مهام استثارة عاطفية وزع المشاركون عشوائيًا على بيئات جامعية افتراضية متباينة في ألوان الجدران والأصوات البيئية المصاحبة، وجمعت الدراسة بين مؤشرات فسيولوجية واستبانات ذاتية لتقويم أثر توليفات اللون والصوت في الاستجابات الانفعالية والتعافي الفسيولوجي وتفضيلات الطعام واشتهائه، وقيس تفضيل الطعام بمهمة اختيار من صور، وقومت صحية الأطعمة لدى لجنة خبراء من سبعة أعضاء، وحللت البيانات بتحليل تباين مختلط التصميم واختبارات تائية مستقلة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، كشف تحليل التباين مختلط التصميم عن تفاعل دال إحصائيًا بين لون الجدران والصوت البيئي، بما يعني أن أثر كل منهما في الاستجابات يتبدل بحسب الآخر ولا يعمل منعزلًا عنه
2، وارتبطت الأصوات الطبيعية بانخفاض المشاعر السلبية وبدرجات أعلى لتفضيل الغذاء الصحي في ظل عدة شروط لونية، بما يبرز قيمتها بوصفها مكونًا مهدئًا وموجهًا للاختيارات الغذائية
3، وأثر كل من اللون والصوت في اشتهاء الطعام، فتباينت شدة الاشتهاء بتباين التوليفات الحسية المعروضة على المشاركين بعد الاستثارة العاطفية
4، وأظهرت الاختبارات التائية المستقلة فروقًا دالة بحسب الجنس وبحسب ميل الأكل العاطفي في عدة نواتج، بما يشير إلى أن استجابة الأفراد للبيئات الحسية ليست واحدة بل تتأثر بخصائصهم الشخصية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقترح هذه النتائج أن تصميم البيئات المحيطة بالطلاب في المقاصف وقاعات الطعام وأماكن الاستراحة قد يكون مدخلًا عمليًا منخفض الكلفة لدعم اختيارات غذائية أصح وتخفيف الأكل المرتبط بالضغط، عبر توظيف الألوان والأصوات الطبيعية بصورة مدروسة، كما تفتح بابًا لتطبيقات الواقع الافتراضي في التدريب على تنظيم الانفعالات قبل مواجهة المواقف الضاغطة فعليًا، ويستفيد الباحثون العرب وطلاب الدراسات العليا من منهجية الدراسة في الجمع بين المؤشرات الفسيولوجية والتقارير الذاتية ومهام الاختيار السلوكي، مع التنبه إلى أن العينة صغيرة ومن سياق جامعي واحد، وأن النتائج ما تزال استكشافية تحتاج إلى تكرار بعينات أوسع وبيئات واقعية قبل تحويلها إلى توصيات تصميمية عامة
وتكتسب هذه المقاربة دلالة أوسع في ضوء تنامي الاهتمام بتصميم البيئات التعليمية والصحية بوصفه مدخلًا للوقاية، فالمقاصف الجامعية وقاعات الانتظار في العيادات ومساحات العمل المشتركة كلها بيئات يمكن إعادة تشكيل إشاراتها الحسية من ألوان وإضاءة وأصوات بما يدعم قرارات أصح دون إلزام أو وعظ مباشر، وهو ما يفتح للباحثين في علم النفس البيئي والصحة العامة مجالًا تجريبيًا خصبًا لاختبار توليفات حسية مختلفة في ثقافات وسياقات عمرية متنوعة
وهو اتجاه ينسجم مع تنامي الاهتمام بالبيئة نفسها بوصفها جزءًا من التدخل في التعليم والصحة لا خلفية صامتة له
وخلاصة القول إن البيئات متعددة الحواس داخل الواقع الافتراضي أظهرت قدرة على تعديل الاستجابات الانفعالية المرتبطة بالضغط وتفضيلات الطعام واشتهائه لدى طلاب جامعيين، بما يجعلها مقاربة جديدة واعدة تستحق مزيدًا من الاختبار الدقيق قبل اعتمادها أداة للتدخل الغذائي والنفسي في البيئات الجامعية








