تجارب الطفولة السلبية هي أحداث صادمة محتملة يتعرض لها الطفل كالإهمال وسوء المعاملة والخلل الأسري، وترتبط بنتائج سلبية قد تسهم في مسار حياتي يصل الشدائد المبكرة بمشكلات صحية طويلة الأمد في الرشد، ومع ذلك لا يخرج جميع من عاشوا هذه التجارب بنتائج واحدة، إذ تؤدي المرونة النفسية دورًا حاميًا يمكن الفرد من التكيف والتعافي والحفاظ على رفاهه النفسي الاجتماعي، ويغدو فهم العلاقة بين تجارب الطفولة السلبية والمرونة والرفاه لدى طلاب الجامعات ضروريًا لتصميم تدخلات وقائية وعلاجية مناسبة لهذه الفئة في مرحلة عمرية انتقالية حساسة، وتتناول هذه الدراسة هذه العلاقة لدى طلاب مؤسسات التعليم العالي في ولاية أوسون النيجيرية
وتحتل هذه القضية موقعًا مهمًا في الصحة العامة وعلم نفس النمو لأن آثار الطفولة لا تنتهي بانتهائها بل تتسلسل عبر التعليم والعلاقات والصحة في مراحل لاحقة، وقد يدخل الطالب الجامعة حاملًا خبرات مبكرة لم تعالج بينما يواجه ضغوطًا أكاديمية واجتماعية جديدة، وهنا تظهر قيمة المرونة النفسية بوصفها موردًا داخليًا قابلًا للبناء والتدريب لا سمة ثابتة، فإذا ثبت ارتباطها بالرفاه أمكن تحويلها إلى هدف لبرامج الإرشاد الجامعي والوقاية النفسية بدل الاكتفاء بعلاج المشكلات بعد تفاقمها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقويم العلاقة بين تجارب الطفولة السلبية والمرونة النفسية والرفاه النفسي الاجتماعي لدى طلاب البكالوريوس في مؤسسات التعليم العالي بولاية أوسون في نيجيريا، واعتمدت تصميمًا وصفيًا مقطعيًا حدد فيه حجم العينة بصيغة إحصائية معروفة لتقدير أحجام العينات، وبلغت العينة 514 طالبًا من جامعتين مختارتين بالولاية اختيروا بأسلوب المعاينة متعددة المراحل، وجمعت البيانات باستبيان معدل مقتبس من أدوات منظمة الصحة العالمية لقياس تجارب الطفولة السلبية، وحللت البيانات بإحصاء وصفي يشمل التكرارات والنسب والمتوسطات والانحرافات المعيارية للتحليل أحادي المتغير، وباختبار مربع كاي الإحصائي الاستدلالي للتحليل ثنائي المتغير
ويعزز اختيار جامعتين من ولاية واحدة المقارنة داخل سياق ثقافي واجتماعي متقارب، بينما تضمن المعاينة متعددة المراحل تمثيلًا أوسع لطلاب المؤسسات المستهدفة، والاستناد إلى أدوات منظمة الصحة العالمية المعروفة لقياس تجارب الطفولة السلبية يربط الدراسة بجهود قياس عالمية ويسهل مقارنة نتائجها بدراسات أجريت في بلدان وسياقات مختلفة، كما أن الجمع بين الإحصاء الوصفي الشامل واختبارات مربع كاي يوازن بين رسم صورة الانتشار وفحص العلاقات بين المتغيرات بصورة منهجية
ثانيًا: أبرز النتائج
1، تعرض أكثر من نصف المستجيبين ونسبتهم 56.2 في المئة لتجارب طفولة سلبية متوسطة إلى شديدة، بينما كانت تجارب 44 في المئة منهم خفيفة أو معدومة، ما يكشف انتشارًا واسعًا لهذه التجارب بين الطلاب
2، أظهر ثلثا المستجيبين ونسبتهم 66 في المئة مستوى استثنائيًا من المرونة النفسية، فغالبية الطلاب يتمتعون بقدرة عالية على التكيف رغم ما عاشه كثير منهم من شدائد مبكرة
3، وجدت علاقة دالة إحصائيًا بين مستوى المرونة وتجربة الطفولة السلبية عند مستوى دلالة 0.028 وقيمة مربع كاي 7.174 وفاصل ثقة يمتد من 1.170 إلى 25.880، إذ أظهر المستجيبون ذوو التجارب المعدومة أو الخفيفة مستوى مرونة استثنائيًا بدرجة أكبر
4، ارتبط الرفاه النفسي الاجتماعي ارتباطًا دالًا إحصائيًا بمستوى المرونة لدى جميع المستجيبين عند مستوى دلالة أدنى من 0.001 وقيمة مربع كاي 19.737 وفاصل ثقة يمتد من 1.840 إلى 41.610، وكان الرفاه في مجمله جيدًا إلى ممتاز
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى أن تجارب الطفولة السلبية شائعة بين طلاب جامعات ولاية أوسون رغم أن مستويات المرونة والرفاه النفسي الاجتماعي جاءت استثنائية وجيدة إلى ممتازة في معظمها، وتبرز الحاجة الملحة إلى استراتيجيات وقائية مستهدفة تعزز المرونة النفسية وتحسن الرفاه النفسي الاجتماعي لدى هذه الفئة، ويمكن لخدمات الإرشاد الجامعي أن تستثمر قوة المرونة الموجودة أصلًا لدى الطلاب ببرامج دعم نفسي واجتماعي تراعي الخلفيات الصادمة لبعضهم دون وصم، كما تفيد النتائج صناع السياسات التعليمية والصحية في إدماج الفحص المبكر عن تجارب الطفولة السلبية وبرامج بناء المرونة ضمن خدمات الصحة الجامعية، وتقدم للباحثين العرب مادة للمقارنة مع بيئات جامعية مماثلة في انتشار الشدائد المبكرة
وخلاصة القول إن شدائد الطفولة قد تترك أثرها في الطالب الجامعي، لكن مرونة نفسية قوية قادرة على تحويل المسار نحو رفاه جيد، وبناء هذه المرونة مبكرًا ومؤسسيًا استثمار في صحة أجيال من الخريجين








