أبرزت جائحة كورونا أوجه قصور كبيرة في الاتصالات الصحية العامة في الولايات المتحدة، إذ بدت الرسائل الصحية في كثير من الأحيان غير واضحة ومتحيزة، ولا سيما لدى الجماعات ذات الأصول العرقية المتنوعة والفئات المهمشة التي لم تجد في تلك الرسائل ما يخاطب واقعها وخبراتها، ومع التوسع المتسارع في دمج الذكاء الاصطناعي التوليدي في ممارسات الصحة العامة تبرز حاجة ملحة إلى تدريب القوى العاملة الصحية على إدراك التحيزات المجتمعية التي قد تعيد هذه الأدوات إنتاجها وتضخيمها، وعلى اكتساب مهارات تقييم نقدي تمكنهم من مساءلة المخرجات الآلية قبل اعتمادها في التواصل مع الجمهور
ويستند بناء مثل هذه الأدوات التعليمية إلى أدبيات متنامية تؤكد أن المحتوى الصحي لا يكون فعالًا بمجرد دقته العلمية، بل يحتاج أيضًا إلى أن يكون واضحًا بلغة الجمهور، ومتصلًا بقيمه وسياقه الاجتماعي، وقابلًا للتحول إلى سلوك عملي، وخاليًا من الصور النمطية التي تنفر بعض الفئات أو تهمشها، وهي أبعاد كثيرًا ما تغيب عن المخرجات الآلية المدربة على بيانات واسعة تحمل في طياتها تحيزات المجتمعات التي أنتجتها
وتنبع أهمية هذه الدراسة للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في الصحة العامة والإعلام الصحي من تقاطعها مع قضايا العدالة الصحية وأخلاقيات التقنيات الناشئة، إذ تقدم نموذجًا تربويًا قابلًا للتكييف مع السياقات الثقافية المختلفة لبناء قدرات المتعلمين على كشف الانحياز في المحتوى الصحي أيًا كان مصدره
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
طوّر فريق الدراسة قائمة تقييم الاتصالات الصحية، وهي أداة تربوية تتكون من أربعة عشر سؤالًا، واستندت في بنائها إلى إطار للاتصال الصحي المتمحور حول الإنصاف وإلى المبادئ الإرشادية للعدالة الصحية الصادرة عن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، ثم اختُبرت القائمة خلال العام الدراسي الممتد بين عامي 2024 و2025 في مقررين دراسيين على مستوى الدراسات العليا ضما خمسة وخمسين طالبًا في جامعة حكومية كبيرة، وتضمن التمرين الصفي المكون من درس واحد أن يستخدم الطلاب نموذج شات جي بي تي 4 أو لتوليد محتوى في الاتصال الصحي، ثم أن يطبقوا القائمة في نقد تلك المخرجات من حيث الوضوح وقابلية ارتباط الجمهور بها وقابلية التطبيق العملي والشمولية لمختلف الفئات
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت استطلاعات ما بعد التمرين والمناقشات الصفية انخراطًا إيجابيًا من جانب الطلاب، وبناءً مبلغًا عنه ذاتيًا لمهاراتهم في التقييم النقدي لمحتوى الاتصالات الصحية المولد بالذكاء الاصطناعي
2، اعتمد الطلاب بدرجة كبيرة على هوياتهم الفردية المتنوعة وخبراتهم المعيشية في كشف التحيزات الدقيقة التي ولّدها الذكاء الاصطناعي، وهي تحيزات قد لا تظهر بوضوح لمن يفتقر إلى تلك الخلفيات والتجارب الحياتية
3، عملت القائمة أداة للتقييم الذاتي لدى الطلاب، إذ ساعدتهم على تحديد الفجوات القائمة في معرفتهم الخاصة بكيفية تنفيذ الاتصالات الصحية على أرض الواقع وتحويل الرسائل إلى ممارسات مؤثرة
4، أسهمت التغذية الراجعة المقدمة من الطلاب في إدخال تحسينات متكررة على الأداة ذاتها، بما يعزز من ملاءمتها للاستخدام الصفي في سياقات تعليمية متنوعة ولمستويات مختلفة من المتعلمين
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تُعد قائمة تقييم الاتصالات الصحية أداة تربوية بسيطة وقابلة للتعديل وواسعة الوعد في تعليم الصحة العامة، إذ تتمحور حول قيم الإنصاف والتأمل الذاتي، وتساعد على إعداد القوى العاملة المستقبلية لإدارة المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي إدارة نقدية واعية، بما يضمن أن تكون الاتصالات الصحية شاملة وفعالة في تعزيز العدالة الصحية، ويمكن للجامعات العربية أن تستفيد من هذا النموذج في مقررات التثقيف الصحي والتواصل المجتمعي، مع تكييف أسئلته مع الخصوصيات اللغوية والثقافية لجمهورها، وبناء قدرات خريجيها على التعامل الرشيد مع أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي التي باتت جزءًا متناميًا من بيئة العمل الصحي والإعلامي
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تبين أن كشف التحيز في الاتصالات الصحية مهارة قابلة للتعلم والتدريب حين تتوفر أدوات تقويم واضحة وأنشطة تطبيقية واقعية، وأن إشراك المتعلمين بهوياتهم وخبراتهم المتنوعة في نقد مخرجات الذكاء الاصطناعي يعمق فهمهم للعدالة الصحية ويجعلهم أكثر جاهزية لممارسة مهنية مسؤولة في عصر تتسع فيه التطبيقات الآلية يومًا بعد يوم








