تؤثر اللغة المستخدمة في النقاشات العامة وفي وسائل الأخبار تأثيرًا عميقًا في كيفية إدراك المواطنين لمخاطر التقنيات الجديدة وفوائدها، فرغم أن آثار التأطير في إدراك التقنية مفهومة جيدًا في أدبيات الاتصال، فإن دراسات قليلة ركزت على آثار مصطلحات بعينها تستخدم لوصف التقنية ذاتها، وتتصدى هذه الدراسة لمصطلحين متنافسين يصفان ظاهرة واحدة هما التزييف العميق والوسائط الاصطناعية، لتبحث فيما إذا كان مجرد اختلاف التسمية كافيًا لتغيير نظرة الجمهور إلى مخاطر هذه التقنية ومنافعها عبر مجالات تطبيقها المختلفة
وتهم هذه الدراسة الباحثين وطلاب الدراسات العليا في دراسات الإعلام والاتصال وعلم النفس الاجتماعي وسياسات التقنية، لأن نتائجها تمس ممارسات مهنية يومية تتعلق بكيفية كتابة الأخبار وصياغة السياسات العامة والتواصل المؤسسي حول التقنيات الناشئة، كما تفتح بابًا نظريًا لربط اختيار المصطلحات بمفهوم التلطيف اللغوي المعروف في تحليل الخطاب، وهو ربط يمكن البناء عليه في سياقات عربية تنتشر فيها ترجمات متباينة للمصطلحات التقنية الحديثة وتتنافس على تشكيل وعي الجمهور بها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
حلل الباحثون أولًا بصورة يدوية 380 مقالًا إخباريًا في سويسرا بوصفها حالة دراسة، للكشف عن كيفية تغطية أخبار التزييف العميق ومدى استخدام مصطلح الوسائط الاصطناعية فيها، ثم اختبروا آثار المصطلحين في إدراك المخاطر والفوائد عبر تجربة مسحية مسجلة مسبقًا شارك فيها 736 مشاركًا، قيس فيها إدراك المشاركين لمخاطر التقنية وفوائدها عبر مجالات تطبيق متعددة وفق المصطلح المعروض عليهم، وربطت الدراسة نتائجها بمفهوم التلطيف اللغوي، مقترحة أن يوائم اختيار المصطلح مجالات التطبيق بما يعكس بصورة متوازنة مخاطر التقنية وفوائدها بدل الانحياز المسبق إلى التخويف أو التجميل
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهر تحليل المحتوى تركيز التغطية الإخبارية للتزييف العميق على المخاطر بصورة غالبة، مع استخدام محدود جدًا لمصطلح الوسائط الاصطناعية في المقالات المشمولة بالتحليل
2، لم يغير اختيار المصطلح إدراك المشاركين لمخاطر التقنية في التجربة المسحية، إذ بقي تقويم المخاطر ثابتًا سواء عرضت التقنية باسم التزييف العميق أو باسم الوسائط الاصطناعية
3، رفع مصطلح الوسائط الاصطناعية إدراك المشاركين لفوائد التقنية بصورة دالة إحصائيًا عبر مجالات التطبيق المختلفة مقارنة بمصطلح التزييف العميق
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد النتائج أن المصطلحات التي نسمي بها التقنيات ليست تسميات محايدة، وبخاصة حين يتعلق الأمر بتقنيات ناشئة كالذكاء الاصطناعي ما تزال صورتها العامة قيد التشكل، فاختيار لفظ ملطف قد يرفع إدراك الفوائد دون أن يمس إدراك المخاطر، وهو أثر ينبغي أن ينتبه إليه الصحفيون وصانعو السياسات والمتحدثون المؤسسيون لأن التسمية قد تصبح أداة تأطير صامتة توجه النقاش العام، وتدعو الدراسة إلى مواءمة المصطلح مع مجال التطبيق، بحيث تعكس التسمية توازن المخاطر والمنافع في كل مجال بدل إطلاق حكم واحد شامل على التقنية كلها، وهي دعوة تصلح للباحثين العرب المهتمين بدراسة الخطاب الإعلامي العربي حول الذكاء الاصطناعي وما يرافقه من مصطلحات مترجمة متنافسة، ومن زاوية نظرية يعيد مفهوم التلطيف اللغوي الذي استندت إليه الدراسة طرح سؤال قديم في دراسات الخطاب حول الكلمات التي تخفف وقع الحقائق الصعبة على المتلقي، فقد تؤدي التسمية الملطفَة دورًا في تهدئة مخاوف مبالغ فيها تجاه تقنية ما، لكنها قد تؤدي أيضًا دورًا معاكسًا يتمثل في إخفاء مخاطر حقيقية تستحق الانتباه والتنظيم، ولهذا فإن توازن التسمية ليس مسألة جمالية لغوية بل مسألة حوكمة تواصلية تتقاطع فيها مسؤوليات الإعلام والشركات والجهات المنظمة، وتستدعي وعيًا نقديًا لدى الجمهور ذاته بحيث لا تبنى مواقفه من التقنيات الناشئة على الانطباعات التي تصنعها التسميات وحدها دون فحص للمضمون الفعلي والمخاطر الموثقة والفوائد المثبتة بالأدلة
وخلاصة القول إن الدراسة تثبت تجريبيًا أن تسمية التقنية تؤثر في إدراك الجمهور لفوائدها دون مخاطرها في الحالة المدروسة، وأن مصطلح الوسائط الاصطناعية يعمل بوصفه لفظًا ملطفًا يرفع إدراك المنافع، ما يجعل اختيار المصطلحات قرارًا تواصليًا ذا عواقب ينبغي اتخاذه بوعي ومسؤولية








