تشكل الثقافة الأعراف التواصلية والتوقعات المجتمعية المتعلقة بارتباط الفرد بجماعته الاجتماعية، وتمتد آثارها إلى مواقف دقيقة مثل إدلاء الشهود بمعلومات عن الجرائم، فقد يتردد الشاهد في الإفصاح الكامل عما يعرفه حين تربطه بالجاني علاقة سابقة أو حين تملي عليه ثقافته التحفظ في الكلام والاقتصاد في التفاصيل، ومن هنا تكتسب دراسة البعد الثقافي في تقارير شهود العيان أهمية خاصة لأجهزة التحقيق التي تتعامل مع شهود من خلفيات متنوعة وتحتاج إلى قراءة صحيحة لما يقوله الشاهد وما يسكت عنه
وتهم هذه القضية الباحثين العرب في علم النفس القانوني والعدالة الجنائية، فالمجتمعات العربية متعددة البيئات والثقافات الفرعية، وفهم كيفية تأثير الانتماء الثقافي والقرابة الاجتماعية في إفصاح الشهود يساعد على تطوير مقابلات تحقيق أكثر عدالة ودقة، ويحمي سير العدالة من فجوات معلوماتية قد تنشأ عن الصمت والتحفظ لا عن الكذب والتمويه، كما ينبه إلى أن بروتوكولات الاستجواب المستوردة قد لا تلائم جميع الشهود بالدرجة ذاتها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص مدى تأثير العوامل الثقافية في الإبلاغ عن معلومات الجريمة، بما في ذلك حالة وجود علاقة سابقة بين الشاهد والجاني، واعتمدت تجربة شبه تجريبية عبر الإنترنت مسجلة مسبقًا شارك فيها 163 فردًا من المملكة المتحدة والصين ممن يجيدون الإنجليزية، وقدم المشاركون بوصفهم شهودًا صوريين إفادات حول حادث مروري، وتلاعبت الدراسة بهوية الجاني لمحاكاة ثلاثة مستويات من قرب العلاقة مع الشهود الصوريين، وهي قريب من الثقافة نفسها، وغريب من الثقافة نفسها، وغريب من ثقافة مختلفة، وقيس مقدار المعلومات الصحيحة المبلغ عنها في كل حالة، بما يسمح بعزل أثر الثقافة عن أثر العلاقة الشخصية بالجاني
ثانيًا: أبرز النتائج
1، وجدت الدراسة أثرًا للمجموعة الثقافية في مقدار المعلومات الصحيحة المبلغ عنها، إذ أبلغ المشاركون من المملكة المتحدة، وترتبط ثقافتهم بتفضيلات التواصل منخفض السياق، معلومات أكثر بدلالة إحصائية من المشاركين من الصين المرتبطة بثقافة التواصل عالي السياق، وذلك اتساقًا مع فرضية الدراسة وتكرارًا لنتائج بحوث سابقة في هذا الميدان
2، لوحظ ازدياد في الإفصاح عند الإبلاغ عن معلومات تخص هدفًا من جماعة خارجية، غير أن أثر الانتماء هذا لم يكن دالًا إحصائيًا، وكذلك لم يكن الأثر التفاعلي بين الثقافة وقرب العلاقة دالًا إحصائيًا، فبقي أثر الثقافة وحدها هو النتيجة الراسخة في بيانات الدراسة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تسلط هذه النتائج الضوء على ضرورة مراعاة الخلفية الثقافية للشهود في سياقات مقابلات التحقيق، وتنبه بدرجة أقل إلى أن العلاقة بين الشاهد والجاني قد تعرض الإبلاغ عن المعلومات للخطر، فصمت الشاهد أو اقتصاده في الكلام قد يعكس أسلوبًا تواصليًا ثقافيًا لا رغبة في الإخفاء، مما يستدعي تدريب المحققين على أساليب استجواب حساسة ثقافيًا تشجع الشهود على السرد الكامل دون ضغوط، وبناء بروتوكولات تحقيق تراعي تنوع الخلفيات في المجتمعات متعددة الثقافات ومنها المجتمعات العربية التي تستضيف جاليات متنوعة، مع مواصلة البحث في حدود الدراسة الحالية وإمكان تعميم نتائجها على مواقف شهادة واقعية
وتتصل هذه القضية بمفهومي التواصل عالي السياق والتواصل منخفض السياق في أدبيات التواصل بين الثقافات، ففي الثقافات عالية السياق يعتمد الفهم على المعرفة المشتركة والعلاقات والإشارات الضمنية ويميل الكلام إلى الإيجاز والتلميح، بينما تعتمد الثقافات منخفضة السياق على التصريح اللفظي المفصل وتنظر إلى سرد المعلومات كاملة بوصفه سلوكًا متوقعًا، وحين يلتقي هذان الأسلوبان في غرفة تحقيق واحدة قد يساء فهم تحفظ الشاهد عالي السياق افتقارًا إلى التعاون أو محاولة للإخفاء، بينما هو في حقيقته نمط تواصلي تشكل عبر التنشئة الاجتماعية والانتماء الجماعي عبر سنوات العمر
وخلاصة القول إن ثقافة الشاهد تشكل مقدار ما يبلغ عنه من معلومات صحيحة حول الجريمة، وإن مراعاة هذا البعد في مقابلات التحقيق شرط لعدالة أدق وقرارات قضائية أصوب








