تحتل المخططات المعرفية المبكرة غير التكيفية موقعًا مركزيًا في فهم الصعوبات النفسية التي يواجهها طلاب الجامعات، فهذه المخططات أنماط عميقة من التفكير والشعور تتكون منذ الطفولة حول الذات والآخرين والعالم، وحين تنشط في مواقف الحياة الجامعية الضاغطة تدفع الطالب إلى التجنب والاندماج الانفعالي بما يقيد مرونته النفسية، أي قدرته على تقبل خبراته الداخلية والتصرف وفق قيمه رغم ما يعتريه من أفكار ومشاعر مؤلمة
وتزداد الحاجة إلى فهم العوامل التي تخفف من وطأة هذه المخططات أو تفاقمها في ظل تصاعد معدلات الضغوط النفسية بين طلاب الجامعات، وهنا يبرز التعاطف مع الذات بوصفه موردًا داخليًا يمكن أن يقطع الحلقة بين المخططات وعدم المرونة، كما يبرز الدعم الاجتماعي المدرك موردًا خارجيًا قد يعدل قوة هذه العلاقات، وهو ما يجعل اختبار نموذج يجمع المتغيرات الأربعة ذا قيمة نظرية وتطبيقية للباحثين في الإرشاد النفسي الجامعي وطلاب الدراسات العليا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص العلاقات بين المخططات المعرفية المبكرة غير التكيفية والمرونة النفسية لدى طلاب الجامعات، واختبار الدور الوسيط للتعاطف مع الذات والدور المعدل للدعم الاجتماعي المدرك، وشملت عينة قوامها 1184 طالبًا جامعيًا طبقت عليهم الصورة المختصرة من استبيان يونج للمخططات، والصورة المختصرة من استبيان التجنب والاندماج، ومقياس نيف للتعاطف مع الذات، ومقياس الدعم الاجتماعي المدرك، واستخدمت نمذجة المعادلة البنائية في اختبار نموذج الوساطة المعدلة المقترح
ثانيًا: أبرز النتائج
1، ارتبطت المخططات المعرفية المبكرة غير التكيفية ارتباطًا سلبيًا بكل من التعاطف مع الذات والدعم الاجتماعي المدرك، وارتباطًا إيجابيًا بعدم المرونة النفسية لدى الطلاب
2، ارتبط الدعم الاجتماعي المدرك إيجابيًا بالتعاطف مع الذات وسلبيًا بعدم المرونة النفسية، كما ارتبط التعاطف مع الذات سلبيًا بعدم المرونة النفسية
3، أظهرت نمذجة المعادلة البنائية أن المخططات ترتبط بانخفاض التعاطف مع الذات الذي يرتبط بدوره بارتفاع عدم المرونة النفسية، مع بقاء ارتباط مباشر إيجابي دال بين المخططات وعدم المرونة، بما يعني أن التعاطف مع الذات يتوسط العلاقة وساطة جزئية
4، عدل الدعم الاجتماعي المدرك مسار العلاقة بين المخططات والتعاطف مع الذات، بما يشير إلى أن حضور شبكة دعم مدركة قوية يغير من قوة هذا المسار وأثره العملي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم هذه النتائج دعمًا تجريبيًا لتطوير تدخلات نفسية جامعية تستهدف تنمية التعاطف مع الذات لدى الطلاب مرتفعي المخططات غير التكيفية، وتعزيز شبكات الدعم الاجتماعي داخل الحرم الجامعي بوصفها عامل حماية يخفف من امتداد أثر المخططات إلى المرونة النفسية، كما تفيد نتائجها المرشدين النفسيين في بناء برامج إرشادية متكاملة تجمع بين تعديل المخططات وتدريب الطلاب على التعامل الرحيم مع الذات في مواقف الإخفاق والضغط
وتبرز قيمة الدراسة في جمعها بين مورد داخلي ومورد خارجي داخل نموذج واحد قابل للاختبار، فالتعاطف مع الذات مهارة يمكن التدرب عليها عبر برامج إرشادية قصيرة، والدعم الاجتماعي مورد يمكن للجامعة أن تعززه عبر أنظمة الإرشاد الأكاديمي والأندية الطلابية وشبكات الأقران، ويقترح هذا الجمع مسارًا عمليًا للعاملين في مراكز الإرشاد الجامعي في الدول العربية، إذ يمكن فحص المخططات غير التكيفية مبكرًا لدى الطلاب الجدد وتقديم تدخلات وقائية قبل أن تتحول إلى أنماط جامدة تقيد مرونتهم النفسية وتحصيلهم الدراسي، كما تدعو النتائج إلى دراسات طولية عربية تختبر ثبات النموذج عبر سنوات الدراسة الجامعية وتباينه بين الجنسين والتخصصات ومراحل الانتقال من المدرسة إلى الجامعة وما يصاحبها من ضغوط تكيف متعددة، وتفتح الباب أمام مقارنة ثقافية بين البيئات الجامعية المختلفة
وخلاصة القول إن المخططات المعرفية المبكرة غير التكيفية تتصل بالمرونة النفسية لدى طلاب الجامعات اتصالًا مباشرًا وغير مباشر معًا، وإن التعاطف مع الذات يمثل قناة وسيطة مهمة في هذا الاتصال بينما يعيد الدعم الاجتماعي المدرك تشكيل قوة المسار الوسيط، وهو ما يرسم خريطة أوضح لبناء تدخلات وقائية وعلاجية فعالة في البيئة الجامعية








