أدى الانتشار المتسارع لمصادر الطاقة المتجددة إلى تحديات متنامية أمام الأطراف المسؤولة عن الموازنة في الشبكات الكهربائية، إذ يصعب عليها التنبؤ الدقيق بالإنتاج والاستهلاك في ظل تقلب توليد الشمس والرياح، ولمواجهة هذا الاختلال برزت أسواق الموازنة التي تهدف إلى الحفاظ على التوازن اللحظي بين الإنتاج والاستهلاك عبر فترات تسوية مختلفة للاختلال، وفي هذا السياق تتجه الأنظار إلى أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات بوصفها أدوات واعدة لإدارة الموازنة، ما يستدعي تقويم جدواها التقنية والاقتصادية بعناية
وتتنوع تقنيات التخزين المرشحة لهذا الدور بين بطاريات الليثيوم بأشكالها المختلفة وبطاريات التدفق التي تخزن الطاقة في محاليل إلكتروليتية خارجية، ويتميز كل نوع بخصائص تشغيلية واقتصادية مختلفة من حيث الكثافة الطاقية والعمر الافتراضي وقابلية التوسع، ما يجعل المقارنة بينها على أسس موحدة ضرورة علمية وعملية في آن واحد، ولا سيما في أسواق الموازنة التي تتعامل مع انحرافات لحظية بين العرض والطلب
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
أجرت الدراسة تحليلًا تقنيًا اقتصاديًا لبطاريات فوسفات حديد الليثيوم وبطاريات التدفق من نوع الأكسدة والاختزال المستخدمة في إدارة موازنة الشبكة، مع التركيز على عتبة انحراف قدرها 100 ميغاواط على فترات تسوية للاختلال تبلغ دقيقة واحدة وخمس دقائق وخمس عشرة دقيقة، واعتمدت الدراسة على بيانات الاختلال شاملة أحجام الاختلال وأسعاره، والمستمدة من مشغل نظام النقل البلجيكي المعروف باسم إليا، وذلك على مدى ثلاث سنوات امتدت من سبتمبر 2019 إلى سبتمبر 2022، لتكون قاعدة التحليل معبرة عن ظروف سوق حقيقية متنوعة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أبرز التحليل الأثر الكبير لعوامل عدة في الجدوى التقنية والمالية لأنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات في إدارة الموازنة، وفي مقدمتها حجم الاختلال وديناميات الأسعار وفترات تسوية السوق، بما يعني أن جدوى التخزين ليست ثابتة بل تتغير بتغير هذه العوامل مجتمعة
2، أظهرت النتائج التقنية والاقتصادية لبطاريات فوسفات حديد الليثيوم وبطاريات التدفق توجهات متقاربة عبر فترات التسوية المختلفة للسوق، وهو ما يمنح صانعي القرار مرونة أوسع في اختيار التقنية وفق معايير أخرى كالكلفة والتوافر ومتطلبات التشغيل
3، قدمت الدراسة رؤى قيمة حول التطورات المحتملة في كيفية تطور التوجهات في فترات تسوية أخرى، بما يساعد على استشراف جدوى التخزين في أسواق تعمل وفق أطر زمنية مختلفة للتسوية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي هذه النتائج على دلالات عملية للأطراف المسؤولة عن الموازنة ومشغلي الشبكات والمستثمرين في تقنيات التخزين، فهي تحذر من تبني قرارات استثمارية بمعزل عن خصائص السوق المحلية من أحجام اختلال وأسعار وفترات تسوية، وتؤكد أن تقويم مشاريع البطاريات ينبغي أن يبنى على بيانات تشغيلية حقيقية ممتدة زمنيًا لا على افتراضات نظرية، وتفيد الدراسة كذلك الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في مجالات هندسة الطاقة واقتصاديات الطاقة، إذ تتسارع في المنطقة العربية مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ومعها الحاجة إلى حلول تخزين تدير اختلالات الإنتاج والاستهلاك، وتقدم منهجية الدراسة المعتمدة على بيانات سوق حقيقية نموذجًا يمكن الاستفادة منه في تقويم جدوى التخزين في الشبكات العربية عند تطور أسواق الموازنة فيها
ويستفيد المستثمرون من درس منهجي آخر تقدمه الدراسة، وهو أن تقييم تقنيات التخزين ينبغي أن يراعي حساسية النتائج لاختلاف فترة التسوية، فالفاصل الزمني الذي تسوى فيه الاختلالات قد يقلب ترتيب الأفضلية بين التقنيات أو يغير هامش الربحية جذريًا، ومن ثم فإن دراسات الجدوى الناجحة هي التي تحاكي قواعد السوق الفعلية بدل الاكتفاء بمتوسطات افتراضية مبسطة
وخلاصة القول إن بطاريات فوسفات حديد الليثيوم وبطاريات التدفق تبدوان خيارين متقاربي الأداء التقني والاقتصادي في إدارة موازنة الشبكة عبر فترات التسوية المدروسة، وإن العامل الحاسم في النجاح ليس نوع البطارية وحده، بل مدى ملاءمة المشروع لظروف سوقه من أحجام اختلال وأسعار وأطر تسوية، وهو ما يجعل التحليل التقني الاقتصادي المبني على البيانات الفعلية خطوة لا غنى عنها قبل ضخ أي استثمار في تخزين الطاقة








