يُعَدُّ الاستخدام الإشكالي للهواتف الذكية من الظواهر السلوكية المتنامية بين طلاب الجامعات في العصر الرقمي، إذ تحوّل الهاتف الذكي من وسيلة للتواصل والتعلم إلى مصدر للتشتت والانشغال المفرط الذي قد ينعكس سلبًا على التحصيل الدراسي والصحة النفسية والعلاقات الاجتماعية، وتتعدد العوامل التي تقف وراء هذا النمط من الاستخدام، ومن أبرزها الخبرات الحياتية المبكرة التي يعيشها الفرد في طفولته وما يرافقها من أنماط حياة يومية في مراحل لاحقة، غير أن طبيعة التفاعل بين تجارب الطفولة السلبية وعوامل نمط الحياة في التأثير في الاستخدام الإشكالي للهواتف الذكية لم تكن واضحة بما يكفي في الأدبيات السابقة، وهو ما سعت هذه الدراسة إلى استكشافه لدى عينة واسعة من طلاب الجامعات في الصين
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص الارتباطات بين تجارب الطفولة السلبية والاستخدام الإشكالي للهواتف الذكية عبر أنماط الحياة المختلفة لدى طلاب الجامعات الصينيين، واعتمدت على منهج مسحي واسع النطاق اختير فيه المشاركون من ست جامعات جرى اختيارها عشوائيًا من بين 57 جامعة في مقاطعة شنشي بالصين باستخدام أسلوب المعاينة العنقودية العشوائية متعددة المراحل، وقُوّمت تجارب الطفولة السلبية وأنماط الحياة باستخدام استبانة منظمة، في حين قيس الاستخدام الإشكالي للهواتف الذكية بمقياس نزعة إدمان الهاتف المحمول، واستُخدمت نماذج الانحدار اللوجستي الثنائي ونماذج التفاعل الجمعي لتحليل الارتباطات بين التجارب السلبية والاستخدام الإشكالي عبر أنماط الحياة المختلفة، بما يتيح رصد الآثار المشتركة والتفاعلية بين المتغيرات
ثانيًا: أبرز النتائج
1، شملت العينة 18649 طالبًا وطالبة، وبلغت نسبة من أبلغوا عن استخدام إشكالي للهواتف الذكية 29.70 في المئة بواقع 5538 طالبًا، وأفاد 82.59 في المئة من المشاركين بأنهم واجهوا تجربة طفولة سلبية واحدة على الأقل، فيما عانى 10.69 في المئة منهم أربع تجارب سلبية أو أكثر
2، أظهرت النتائج أنه بين الطلاب ذوي أنماط الحياة غير الصحية ارتفعت احتمالية الاستخدام الإشكالي ارتفاعًا ملحوظًا لدى من تعرضوا لأربع تجارب سلبية أو أكثر، إذ بلغت نسبة الأرجحية 5.82 بفاصل ثقة عند مستوى 95 في المئة يتراوح بين 4.30 و7.92، كما ظهر الارتفاع ذاته لدى من تعرضوا لأي فئة من فئات التجارب السلبية الأربع
3، كشفت نماذج التفاعل أن تجارب الطفولة السلبية ونمط الحياة غير الصحي مارسا آثارًا جمعية دالة في خطر الاستخدام الإشكالي، إذ بلغ الخطر الزائد النسبي الناجم عن التفاعل 3.19 لدى من تعرضوا لأربع تجارب أو أكثر، و0.84 في حالة اختلال الأداء الأسري، و1.23 في حالة الإهمال
4، بلغت النسبة المنسوبة إلى التفاعل 0.55 لدى من تعرضوا لأربع تجارب سلبية أو أكثر، و0.24 في حالة اختلال الأداء الأسري، و0.34 في حالة الإهمال، بما يشير إلى أن جزءًا معتبرًا من الخطر يعود إلى اجتماع العاملين معًا لا إلى كل منهما منفردًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد هذه النتائج أن الوقاية من الاستخدام الإشكالي للهواتف الذكية لدى طلاب الجامعات لا ينبغي أن تقتصر على تنظيم وقت الشاشة أو التوعية التقنية فحسب، بل ينبغي أن تمتد إلى فهم الخبرات المبكرة التي يحملها الطالب معه إلى الحياة الجامعية وما تتركه من آثار نفسية وسلوكية ممتدة، كما تبرز أهمية تبني أنماط حياة صحية تشمل النوم المنتظم والنشاط البدني والتوازن في استخدام التقنية بوصفها عوامل واقية قد تخفف من أثر التجارب السلبية المبكرة، وتفيد هذه النتائج الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في تصميم دراسات مشابهة تستكشف العلاقة بين خبرات الطفولة والسلوكيات الرقمية في البيئات الجامعية العربية، وفي بناء برامج إرشادية جامعية تراعي الخلفيات الأسرية للطلاب
وخلاصة القول إن تجارب الطفولة السلبية وأنماط الحياة غير الصحية ارتبط كل منهما بارتفاع احتمالية الانخراط في الاستخدام الإشكالي للهواتف الذكية لدى طلاب الجامعات، وإن بينهما تفاعلات جمعية موجبة تفاقم الخطر عند اجتماعهما، مما يدعو الجامعات والجهات المعنية بالصحة النفسية الطلابية إلى معالجة متكاملة تجمع بين الدعم النفسي المبكر وتعزيز أنماط الحياة الصحية








