أطلقت الصفقة الخضراء الأوروبية في ديسمبر من عام 2019 بوصفها الإطار السياساتي الطموح للاتحاد الأوروبي لتحقيق الحياد المناخي بحلول عام 2050، وهي تشمل حزمة واسعة من المبادرات في الطاقة والغذاء والبناء والتنوع البيولوجي، ويتوقف نجاح تحولات كبرى من هذا النوع على قبول الجمهور ودعمه بقدر ما يتوقف على التشريعات والتمويل، ولذلك أصبح رصد مشاعر الرأي العام نحوها أداة مهمة لصانعي السياسات والباحثين في الاتصال السياسي
وتتيح بيانات منصات التواصل الاجتماعي نافذة واسعة على هذا الرأي العام، إذ يعبر ملايين المستخدمين عن مواقفهم تجاه السياسات المناخية لحظة بلحظة، فيمكن تتبع تطور هذه المشاعر وموضوعاتها وارتباطها بالأحداث والإعلانات السياسية، وهو منهج يفيد الباحثين العرب في دراسة التلقي الجماهيري للسياسات البيئية والتحولات الخضراء في سياقاتهم المحلية والإقليمية حيث تتسع مبادرات الاستدامة والطاقة المتجددة
وتقوم نظريتا التمثلات الاجتماعية والتأطير اللتان استندت إليهما الدراسة على أن الجمهور لا يتلقى السياسات كما تصاغ رسميًا، بل يعيد بناء معناها عبر خبراته اليومية ووسائل إعلامه وأحاديثه الاجتماعية، وأن طريقة عرض القضية وإبراز جوانب منها دون أخرى توجه الحكم عليها، ولذلك يصبح تحليل المشاعر على نطاق واسع أداة لفهم التمثلات المتداولة حول التحول الأخضر كما تتشكل فعليًا في الفضاء العام الرقمي، لا كما يفترضها صانعو السياسات في وثائقهم واستراتيجياتهم الرسمية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
وظفت الدراسة تحليل المشاعر على 582156 تغريدة نشرت منذ بداية عام 2020 حتى أبريل من عام 2024 لفهم تطور مشاعر الجمهور نحو الصفقة الخضراء الأوروبية، واستندت نظريًا إلى نظرية التمثلات الاجتماعية ونظرية التأطير، وحللت اتجاهات المشاعر عبر الزمن وتوزيعات الموضوعات وأثر الأحداث السياساتية والخارجية الرئيسة مثل انتشار جائحة كورونا في مشاعر الجمهور، مع مقارنة بين الحسابات المنتسبة إلى الاتحاد الأوروبي والحسابات غير المنتسبة إليه، ومع تحديد الموضوعات والمبادرات المحركة للمشاعر الإيجابية والسلبية كل على حدة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، كشفت النتائج عن غلبة المشاعر المحايدة بنسبة 61.68 في المئة، تلتها المشاعر الإيجابية بنسبة 28.26 في المئة ثم السلبية بنسبة 10.06 في المئة، مع اتجاه عام مستقر إلى حد كبير عبر فترة الدراسة
2، أظهرت الحسابات المنتسبة إلى الاتحاد الأوروبي مشاعر إيجابية أعلى مقارنة بالحسابات غير المنتسبة إليه
3، ارتبطت اتجاهات المشاعر بالإعلانات السياساتية الرئيسة والأحداث العالمية، بما يبين العلاقة المعقدة بين تواصل السياسات وتشكل الرأي العام حولها
4، قادت مبادرات بعينها المشاعر الإيجابية، وفي مقدمتها أول قانون أوروبي للمناخ والأهداف المناخية ومبادرة من المزرعة إلى المائدة ومبادرة الباوهاوس الأوروبي الجديد، بينما ارتبطت المشاعر السلبية بالمخاوف الاقتصادية وتحديات تنفيذ السياسات وحالة حفظ النظم البيئية ومنظومة الغذاء وقضايا أمن الطاقة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز النتائج أهمية استراتيجيات تواصل موجهة، والرد الشفاف على التشكيك، وشرح عمليات السياسات للجمهور بلغة مفهومة، وتعزيز أدوات جمع ملاحظات أصحاب المصلحة، توظيفًا لمشاعر الجمهور في دعم التحول الأخضر الأوروبي، وتفتح الطريق أمام بحوث مستقبلية تستكشف الفروق الإقليمية الدقيقة وترصد المشاعر باستمرار، وهي دروس قابلة للاستفادة في السياق العربي حيث تتسع نقاشات التحول الطاقي والاستدامة، إذ يحتاج الباحثون وصانعو السياسات العرب إلى أدوات رصد مماثلة لفهم مواقف الجمهور وتصميم رسائل سياساتية أصدق وأقدر على بناء القبول المجتمعي للتحولات الكبرى
وتحمل التجربة الأوروبية درسًا منهجيًا للباحثين العرب في الاتصال البيئي، إذ يمكن رصد مشاعر الجمهور العربي نحو مشاريع الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر وتحلية المياه بالطاقة المتجددة بأدوات مشابهة، مع مراعاة خصوصيات اللغة العربية ولهجاتها في تدريب نماذج تحليل المشاعر، ومع دمج الرصد الآلي بمقابلات نوعية تفسر أسباب التحولات المفاجئة في المزاج العام وتربطها بالأسعار والوظائف والخدمات لا بالخطاب البيئي وحده
وخلاصة القول إن مشاعر الجمهور نحو الصفقة الخضراء الأوروبية محايدة في أغلبها مع ميل إيجابي مستقر، وإن إدارتها تواصلًا ورصدًا بصورة علمية تمثل جزءًا لا ينفصل عن نجاح التحول الأخضر ذاته على المدى الطويل








