تستخدم الشركات منصات وسائل التواصل الاجتماعي على نطاق واسع في تواصلها المؤسسي وبناء صورتها لدى الجمهور، غير أن الأدلة الكمية المتاحة عن القطاعات الغذائية الزراعية المتخصصة ما تزال محدودة، ولا سيما قطاع المنتجات الحاصلة على شهادات المنشأ المحمي، إذ تعمل فيه مؤسسات صغيرة ومتوسطة بموارد تسويقية محدودة وتحتاج إلى معرفة دقيقة بما يحققه حضورها الرقمي فعليًا
وتكتسب دراسة هذا القطاع أهمية للباحثين في التسويق الرقمي وإدارة الأعمال الزراعية، لأنها تقدم صورة واقعية عن الفجوة بين تبني المنصات وبين القدرة على إدارتها باستمرار، وهي فجوة تواجه قطاعات غذائية مماثلة في المنطقة العربية حيث تنتشر منتجات تقليدية ومحلية تسعى إلى الوصول إلى أسواق أوسع عبر القنوات الرقمية وتنافس منتجات عالمية أقدر على التسويق
وتحمل شهادات المنشأ المحمي والمؤشر الجغرافي المحمي وزنًا اقتصاديًا ورمزيًا كبيرًا في الأسواق الأوروبية، فهي تربط المنتج بإقليمه وطرائق إنتاجه التقليدية وتبرر عادة أسعارًا أعلى، غير أن هذه الميزة التنافسية لا تتحقق تلقائيًا دون تواصل فعال مع المستهلكين والتجار، وهو ما جعل الحضور الرقمي لهذه المؤسسات موضوعًا يستحق الرصد المنهجي بدل الانطباعات العامة عن نجاح التسويق عبر المنصات الاجتماعية أو فشله في القطاعات المتخصصة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقييم تبني وسائل التواصل الاجتماعي لدى مؤسسات زيت الزيتون اليونانية ونشاطها ونمو جمهورها وكفاءة تفاعلها وتركز هذا التفاعل، وشملت المؤسسات المسجلة ضمن تسمية المنشأ المحمي أو المؤشر الجغرافي المحمي وعددها 511 مؤسسة، ونمذجت الدراسة التبني على مستوى المؤسسة باستخدام الانحدار اللوجستي، وقارنت مؤشرات الأداء الرئيسة في 116 حسابًا على فيسبوك و70 حسابًا على إنستغرام و32 حسابًا على يوتيوب بين النصف الأول من عام 2025 والنصف الأول من عام 2026 باستخدام اختبارات مقترنة مصححة لتعدد المقارنات، بما يسمح بعزل التغير الحقيقي في الأداء عن التقلبات العابرة في نشاط الحسابات
ثانيًا: أبرز النتائج
1، حافظت نسبة 28.2 في المئة فقط من المؤسسات على حساب رسمي واحد على الأقل، وكان التبني أعلى لدى المؤسسات الموجهة نحو التوحيد القياسي والتسويق ولدى الشركات مقارنة بأصحاب الأعمال الفردية، بينما سجلت التعاونيات أدنى معدل تبن وصفي بلغ 13.1 في المئة
2، ازدادت أعداد المتابعين زيادة دالة على المنصات الثلاث جميعها، غير أن المكاسب الوسيطة كانت صغيرة، ولم يتغير أي مؤشر من مؤشرات النشر أو التفاعل تغيرًا دالًا بين الفترتين
3، استمر الخمول سمة ثابتة في كثير من الحسابات، إذ مالت صفحات فيسبوك الخاملة إلى فقدان المتابعين، وتركزت التفاعلات بدرجة عالية حتى بين الحسابات النشطة
4، ارتبط حجم النشر بنمو الجمهور وبإجمالي التفاعلات المتراكمة، لكنه لم يرتبط بالتفاعلات لكل منشور، ولم يظهر تحليل استكشافي لخصائص الرسائل أي ارتباط ثابت عبر الفترتين
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتمثل الدلالة العملية الأبرز في أن القرار الحاسم أمام المنتجين المعتمدين ليس فتح حساب على المنصات، بل القدرة على إدامته بمحتوى منتظم وإدارة مستمرة، وأن أعداد المتابعين وحدها مقياس مضلل للأداء، وهي عبرة تصلح لمؤسسات الأغذية التقليدية في العالم العربي التي تدخل المجال الرقمي بحماس أولي ثم تتوقف، كما تفيد النتائج الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في تصميم دراسات تقييم واقعية للأداء الرقمي تركز على مؤشرات التفاعل والاستمرارية بدل مؤشرات الحضور الشكلي، وتدعو صانعي السياسات الزراعية إلى دعم المؤسسات الصغيرة ببرامج بناء قدرات رقمية مستدامة تعالج أسباب الخمول لا مظاهره
كما تطرح الدراسة سؤالًا أوسع حول عدالة التحول الرقمي في القطاعات الزراعية، إذ قد تتسع الفجوة بين مؤسسات قادرة على توظيف مختصين في إدارة المنصات وأخرى عائلية صغيرة تفتقر إلى الوقت والمهارة، وتستدعي هذه الفجوة تدخلات جمعيات مهنية وغرف تجارية لتنظيم حضور جماعي للمنتجين الصغار، وهي تجربة تنظيمية يمكن أن تستلهمها تعاونيات الزيتون والتمور والعسل في المنطقة العربية لتعزيز تنافسية منتجاتها المحلية الأصيلة
وخلاصة القول إن الحضور الرقمي لقطاع زيت الزيتون اليوناني المعتمد ما يزال محدودًا ومتقطعًا رغم نمو المتابعين، وإن قياس نجاحه يتطلب النظر إلى استدامة النشاط وجودة التفاعل لا إلى مجرد وجود الحسابات أو أرقام متابعيها








