يُعد النشاط البدني ركيزة أساسية في الوقاية من الأمراض المزمنة وتعزيز الصحة العامة، ويُتوقع من الأطباء أن يقدموا لمرضاهم المشورة حوله بوصفهم قدوة ومصدرًا موثوقًا للمعلومة الصحية، غير أن إعداد طلاب الطب لهذا الدور يظل متفاوتًا بين كليات العالم، فقد تناولت أعمال سابقة تدريب النشاط البدني في كليات الطب بالدول مرتفعة الدخل، بينما لا يُعرف سوى القليل عن هذا التدريب وما يرتبط به من اتجاهات وسلوكيات لدى الطلاب في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، وهي فجوة معرفية تحد من قدرة هذه الدول على توظيف أطبائها المستقبليين في التصدي لعبء الخمول البدني
ويهم هذا الموضوع الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في الصحة العامة والتعليم الطبي اهتمامًا مباشرًا، إذ تنتمي معظم الدول العربية إلى فئة الدول متوسطة الدخل التي ترتفع فيها معدلات الخمول البدني والأمراض المرتبطة به، وتتقاطع أسئلة الدراسة الجنوب أفريقية مع أسئلة مطروحة عربيًا حول مستوى نشاط طلاب الطب أنفسهم وعمق معارفهم بإرشادات النشاط البدني ومدى استعداد مناهجهم لتأهيلهم لمشورة مرضاهم، بما يجعل نتائجها مرآة مفيدة لتشخيص واقع مشابه وتصميم تدخلات منهجية لسد فجواته
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص معارف النشاط البدني وسلوكياته الشخصية والاتجاهات نحو تعزيزه والاحتياجات التدريبية المرتبطة به لدى طلاب الطب في إحدى كليات الطب الكبرى في جنوب أفريقيا عبر سنوات الدراسة، واعتمدت تصميمًا مقطعيًا وُزعت فيه استبانة ورقية حضوريًا على طلاب السنوات الأربع في برنامج الدراسات الطبية للخريجين بين شهري أبريل وسبتمبر من عام 2021، وقاست الاستبانة سلوكيات الطلاب الشخصية ومعارفهم واتجاهاتهم واحتياجاتهم التدريبية، وشارك فيها 536 طالب طب، وكانت معدلات الاستجابة أعلى بين طلاب السنة الأولى وأدنى في الدفعات الأقدم عقب اضطرابات مرتبطة بجائحة كورونا
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت النتائج عن مفارقة لافتة بين قوة الاتجاهات الإيجابية نحو النشاط البدني وضعف المعارف الموضوعية والسلوكيات الفعلية، ويمكن إيجاز أبرز النتائج في النقاط الآتية
1، كانت مستويات النشاط البدني لدى الطلاب منخفضة عمومًا، إذ لم يستوفِ سوى 34.8 في المئة منهم توصيات منظمة الصحة العالمية للنشاط البدني، وتراجعت المستويات عمومًا مع التقدم في سنوات الدراسة من السنة الأولى إلى الثالثة
2، أدرك الطلاب شبه جميعهم أهمية النشاط البدني في الوقاية من الأمراض بنسبة 98.1 في المئة وفي رعاية المرضى المستقبلية بنسبة 95.0 في المئة، غير أن المعرفة الموضوعية كانت منخفضة، إذ لم يعرف سوى 9.1 في المئة توصيات المنظمة العالمية بصورة صحيحة، ولم يُظهر سوى 5.2 في المئة معرفة بمبادئ وصف التمارين الأساسية
3، أعربت غالبية الطلاب بنسبة 82.3 في المئة عن رغبتها في تلقي مزيد من التدريب على النشاط البدني ضمن منهج كلية الطب
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتضيف هذه الدراسة إلى الأدبيات المحدودة الواردة من سياقات الدول منخفضة ومتوسطة الدخل دليلًا على أن طلاب الطب مهتمون بتلقي تدريب في النشاط البدني ويدركون أهميته في ممارستهم السريرية المستقبلية، لكنهم يشعرون بعدم الاستعداد الكافي لمشورة مرضاهم مستقبلًا، بما يدعو مطوري المناهج الطبية إلى تضمين تدريب منهجي في وصف النشاط البدني والمشورة حوله منذ السنوات الأولى، وهو درس قابل للنقل إلى كليات الطب العربية التي تواجه الفجوة ذاتها بين الاتجاهات الإيجابية والكفاية المعرفية والمهارية، مع مراعاة خصوصية كل سياق في مستويات النشاط والموارد المتاحة
ويتصل هذا النقاش بمفهوم الطبيب القدوة في الأدبيات الصحية، إذ تشير بحوث الصحة العامة عمومًا إلى أن سلوك الطبيب الشخصي ينعكس على مصداقية مشورته لدى المرضى وعلى احتمال تقديمه لها أصلًا، كما أن بيئة الدراسة الطبية ذاتها بما فيها من ضغوط زمنية ومناهج مزدحمة قد تدفع الطلاب إلى التضحية بنشاطهم البدني، وهو ما يجعل التدخل على مستوى المنهج والبيئة المؤسسية معًا شرطًا لأي تغيير مستدام
وخلاصة القول إن الدراسة ترسم صورة دقيقة لمفارقة يعيشها طلاب الطب في جنوب أفريقيا، حماس مرتفع لتعزيز النشاط البدني يقابله نشاط شخصي متدن ومعرفة موضوعية محدودة ورغبة صريحة في مزيد من التدريب، بما يجعل تضمين النشاط البدني في المناهج الطبية استثمارًا مزدوجًا في صحة الأطباء أنفسهم وجودة رعاية مرضاهم








