تُعد ظاهرة التحرش والإيذاء الجنسي في البيئات المدرسية من القضايا التربوية والاجتماعية الحساسة التي تستدعي اهتمام الباحثين وصناع القرار التربوي، إذ تشير أبحاث أجريت في مناطق كثيرة من العالم إلى وقوع حالات من هذا العنف داخل المدارس، غير أن مفهومي الإيذاء والتحرش الجنسي يظلان محل اختلاف وتباين بحسب عوامل ثقافية واجتماعية متعددة، فما يُعد سلوكًا مرفوضًا في سياق ما قد لا يُنظر إليه بالحدة نفسها في سياق آخر، وهو ما يجعل الفهم الدقيق لهذه الظاهرة مشروطًا بدراسة السياق المحلي الذي تحدث فيه، كما أن صمت الأدبيات عن أصوات المتعلمين أنفسهم في هذه القضية يجعل الاستماع إلى تصوراتهم مدخلًا ضروريًا لفهم الظاهرة من الداخل
ولا تقتصر آثار هذا العنف على الجانب النفسي والسلوكي للمتعلمين، بل تمتد إلى التأثير في الممارسات البيداغوجية داخل الفصول الدراسية وفي مستويات التحصيل والأداء، ومن هنا تنبع أهمية هذا الموضوع لطلاب الدراسات العليا والباحثين العرب، إذ تتشابه كثير من البيئات المدرسية العربية في حساسية تناول موضوعات التربية الجنسية، وتبرز الحاجة إلى بحوث سياقية تكشف واقع إدراك المتعلمين لهذه السلوكيات واتجاهاتهم نحو التربية الجنسية بوصفها أداة وقائية وتمكينية، وتقدم أدلة علمية يُبنى عليها في تطوير المناهج وبرامج الحماية المدرسية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص تصورات تلاميذ المرحلة الابتدائية حول التحرش والإيذاء الجنسي في مدرستين ابتدائيتين بمنطقة أدو إكيتي الحكومية المحلية في ولاية إكيتي بنيجيريا، وتحليل آثار هذا العنف في اتجاهات هؤلاء المتعلمين نحو التربية الجنسية، مستندة في إطارها النظري إلى نظرية النظم البيئية لبرونفنبرينر التي تنظر إلى نمو الطفل بوصفه متأثرًا بمنظومات متداخلة من الأسرة والمدرسة والمجتمع، واعتمدت الدراسة تصميمًا مسحيًا شارك فيه 130 متعلمًا تتراوح أعمارهم بين 9 و12 عامًا من المدرستين، وجُمعت البيانات باستخدام استبانة محققة الصدق والثبات خاصة بالعنف الجنسي جرى تكييفها من استبانة الإيذاء الجنسي للأطفال، ثم حُللت البيانات باستخدام الإحصاءات الوصفية وتحليل الانحدار للكشف عن العلاقات بين التعرض للتحرش والاتجاهات نحو التربية الجنسية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج مستوى منخفضًا من الإيذاء والتحرش الجنسي عمومًا، غير أنها كشفت في الوقت نفسه عن نسب دالة من التعرض لسلوكيات غير لائقة، ويمكن إيجاز أبرز النتائج في النقاط الآتية
1، أفاد 14.6 في المئة من المتعلمين بتعرضهم لملامسة جسمية غير مرغوبة، وذكر 15.4 في المئة أنهم تلقوا طلبات للإفصاح عن أجزاء خاصة من أجسادهم، وأقر 19.2 في المئة بتلقيهم ملامسة مثيرة جنسيًا من بالغين
2، برزت المتعلمات الإناث بوصفهن الفئة الأكثر عرضة لهذه السلوكيات، إذ بلغت نسبة انتشارها لديهن 78.5 في المئة
3، أبدى المستجيبون دعمًا قويًا للتربية الجنسية، إذ دعا 85.3 في المئة منهم إلى تضمينها في المناهج المدرسية، ورأى 77.7 في المئة أهميتها في الوقاية من حالات الحمل في سن المراهقة ومن الأمراض المنقولة جنسيًا
4، أشار تحليل الانحدار إلى وجود علاقة ارتباط موجبة دالة إحصائيًا بين التعرض لتجارب التحرش الجنسي والاتجاهات المؤيدة للتربية الجنسية، بقيمة معامل بلغت 0.196 عند مستوى دلالة أقل من 0.001، بما يوحي بأن الأفراد المتأثرين ينظرون إلى التربية الجنسية بوصفها إجراء وقائيًا يحميهم
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي هذه النتائج على دلالات تربوية مهمة، إذ تؤكد الحاجة إلى برامج شاملة ومناسبة للفئة العمرية في مجال التربية الجنسية، وإلى تطوير تدريب المعلمين بما يمكنهم من رصد السلوكيات غير اللائقة والتعامل معها، وإلى مقاربات مجتمعية تشرك الأسرة والمجتمع المحلي في بناء بيئات مدرسية أكثر أمانًا، كما تبرز الدراسة ضرورة إدماج التربية الجنسية في مناهج المرحلة الابتدائية لمعالجة مواطن الضعف لدى المتعلمين وتمكينهم وكسر حلقات الإيذاء سواء أكان جنسيًا أم غير ذلك، وهي دلالات تفتح أمام الباحثين العرب آفاقًا لدراسات مقارنة تستكشف الظاهرة نفسها في البيئات المدرسية العربية بأدوات مقننة وملائمة ثقافيًا، كما أن إشراك المتعلمين أنفسهم في تقييم المناخ المدرسي الآمن يمنح صانعي السياسات صورة أدق عن سلوكيات قد لا تصل إلى علم الإدارة المدرسية
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تقدم دليلًا سياقيًا على أن التعرض للتحرش والإيذاء الجنسي، وإن كان منخفض المستوى في العينة المدروسة، يرتبط باتجاهات أكثر إيجابية نحو التربية الجنسية لدى تلاميذ المرحلة الابتدائية، بما يعزز الدعوة إلى اعتماد التربية الجنسية المناسبة عمريًا ركيزة أساسية في سياسات الحماية المدرسية وإعداد المعلمين








