مع الانتشار المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في تعليم الكتابة الأكاديمية، برز سؤال بحثي ملح حول طبيعة التنقيحات التي تقدمها هذه الأدوات للنصوص الطلابية مقارنة بالتنقيحات البشرية المألوفة عبر تغذية الأقران الراجعة، فالكتابة الحجاجية لا تقوم على عرض الأفكار فحسب بل على التموضع الحواري الذي يتخذه الكاتب تجاه قرائه وتجاه الأصوات الأخرى التي قد تعارض حججه، وتشكل الموارد اللغوية التي يدير بها الكاتب هذا التموضع مكونًا جوهريًا من جودة النص الحجاجي ونضجه الأكاديمي، ومن ثم يصبح فحص أثر كل مصدر من مصادر التنقيح في هذه الموارد ضرورة لتقويم التوظيف التربوي الرشيد للذكاء الاصطناعي
وتوفر نظرية التقييم في إطار اللسانيات الوظيفية النظامية عدسة تحليلية دقيقة لهذا الفحص، إذ تصنف موارد التموضع اللغوي في أنظمة أبرزها الاتجاه الذي يعبر عن المواقف والتقييمات، والتدرج الذي يضبط قوة الأحكام وحدتها، والانخراط الحواري الذي يدير علاقة النص بالأصوات الأخرى بين انكماش يضيق مساحة الحوار واتساع يفتحها، ويندرج ضمن الانخراط متعدد الأصوات موارد مثل المعاكسة التي تتوقع اعتراض القارئ وتستبقه، والتأييد الذي يحتضن صوتًا آخر داعمًا، والتصريح الذي يقدم موقف الكاتب بصيغة قاطعة، ويهم هذا التحليل الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في اللسانيات التطبيقية وتعليم اللغات ممن يوظفون أدوات الذكاء الاصطناعي في تدريس الكتابة الإنجليزية الأكاديمية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى إجراء مقارنة منهجية لاستخدام موارد التقييم عبر ثلاثة أنواع من المسودات هي المسودات الأولى للطلاب وتنقيحاتها المستندة إلى تغذية الأقران الراجعة والتنقيحات المولدة بالذكاء الاصطناعي، وقد أنتج هذا النوع الأخير نموذج شات جي بي تي 4 استنادًا إلى المسودات الأولى للطلاب وباستخدام موجه موحد، وشملت مدونة الدراسة 168 مقالًا عبر أنواع المسودات الثلاثة مستندة إلى أربع مهام كتابية أنجزها طلاب جامعيون متخصصون في اللغة الإنجليزية في الصين، ورمزت جميع المسودات يدويًا وفق أنظمة نظرية التقييم مع تركيز خاص على الانخراط الحواري، وحللت البيانات بنماذج خطية مختلطة وإحصاءات وصفية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت المقارنة فروقًا منتظمة بين مصادر التنقيح في كيفية إعادة تشكيل التموضع الحواري للنصوص، ويمكن عرض أبرز النتائج في النقاط الآتية
1، وظفت التنقيحات المولدة بالذكاء الاصطناعي موارد تقييم أكثر بدلالة إحصائية من تنقيحات تغذية الأقران الراجعة، التي فاقت بدورها المسودات الأولى، وقادت الزيادات أساسًا موارد الاتجاه والتدرج بينما ظل تواتر موارد الانخراط الحواري مستقرًا عبر أنواع المسودات الثلاثة
2، تحولت تنقيحات الأقران نحو موقف حواري أكثر انكماشًا يضيق مساحة الأصوات البديلة، بينما حافظت التنقيحات المولدة على توزيع متوازن نسبيًا بين الانكماش والاتساع داخل الانخراط متعدد الأصوات
3، ازداد استخدام المعاكسة باتساق في كلا شرطي التنقيح، وارتفع التأييد في تنقيحات الأقران بينما انخفض في التنقيحات المولدة، وانخفض التصريح في كلتا المسودتين المنقحتين مقارنة بالمسودات الأولى
4، نبهت الدراسة إلى أن صغر عينة المشاركين يستدعي تفسير هذه النتائج بحذر، ودعت بحوثًا مستقبلية بعينات أكبر وأكثر تنوعًا لاختبار قابلية تعميم هذه الأنماط عبر سياقات مختلفة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير دلالات الدراسة إلى أن التنقيحات المولدة بالذكاء الاصطناعي يمكن أن تؤدي دور مورد تربوي مكمل لا بديلًا عن التغذية الراجعة البشرية، إذ تتيح للطلاب فرصًا لفحص استراتيجيات مختلفة لاتخاذ المواقف في الكتابة الحجاجية ومقارنة خياراتهم اللغوية بخيارات أخرى مشروعة، فبينما يدفع الأقران النص نحو مزيد من الحسم والانكماش الحواري يعرض الذكاء الاصطناعي توازنًا مختلفًا بين فتح الحوار وإغلاقه، ويمكن للمعلمين توظيف هذا التباين ذاته نشاطًا تعليميًا يناقش فيه الطلاب أسباب تفضيل تموضع على آخر، ومن ثم يتحول التنقيح الآلي من خدمة تصحيح سريعة إلى مناسبة لتنمية الوعي الخطابي لدى الكتاب الناشئين
وخلاصة القول إن الذكاء الاصطناعي حين ينقح نصًا حجاجيًا لا يضيف كلمات فحسب بل يعيد تشكيل علاقة النص بقرائه وأصواته المعارضة بأنماط تختلف عن تلك التي يحدثها تنقيح الأقران، وإن إدراك المعلمين والباحثين لهذه الفروق الدقيقة شرط لتوظيف الأدوات التوليدية بحكمة تربوية تجعل منها شريكًا في تعليم الكتابة لا مختصرًا يلغي جهد الطالب، وتفتح الدراسة أمام الباحثين العرب بابًا لدراسات مماثلة على نصوص طلابهم وفي سياقات تعليمية عربية تتباين فيها تقاليد التغذية الراجعة وأدوار المعلم








