تعد الكياسة وعدم الكياسة في مكان العمل بناءين متعددي الأوجه يؤثران بعمق في صحة الموظفين النفسية وجودة بيئة العمل، فالمعاملة المحترفة الداعمة تغذي الشعور بالتقدير والانتماء، بينما تترك السلوكيات الفظة أو المتجاهلة آثارًا سلبية متراكمة، ومع ذلك ظلت الدراسات السابقة تقيس هذين البناءين بأدوات أحادية البعد قد تنتج نتائج واستنتاجات مضللة جزئيًا لأنها تفترض سلفًا أن الكياسة خير دائمًا وأن عدم الكياسة شر دائمًا لدى الجميع، وتنبع إشكالية القياس أحادي البعد من أنه يختزل تجربة الموظف في درجة واحدة على متصل واحد، فلا يميز بين من يتعرض لسلوك فظ نادرًا ويتأثر به بشدة وبين من يتعرض له متكررًا ولا يكاد يلتفت إليه
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تقييمات ثنائية الأبعاد ترصد التكرار والتجربة الذاتية معًا وتتيح تفسيرًا أكثر دقة وإنصافًا لتجارب العاملين المتباينة، وهي الحاجة التي انطلقت منها الدراسة الحالية في قطاع التجزئة السويدي جامعة بين الأساليب الكمية والكيفية، كما أن الفهم الدقيق لهذين البناءين يمثل مدخلًا عمليًا لتحسين الاحتفاظ بالعاملين وخفض الاحتراق الوظيفي ورفع جودة الخدمة المقدمة للعملاء في قطاعات تعتمد على التفاعل البشري المباشر، فضلًا عن أن بيئات العمل الحديثة متعددة الثقافات والأجيال تجعل معاني الكياسة ذاتها متبدلة بتبدل الخلفيات الثقافية والمهنية للعاملين وتوقعاتهم المتباينة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة بمنهجها المختلط إلى تقصي انتشار الكياسة وعدم الكياسة خلال أربعة أسابيع في عينة من قطاع التجزئة السويدي، وإلى اختبار ما إذا كانت التقييمات ثنائية الأبعاد تتيح تفسيرات أدق للبناءين، وشملت الدراسة المقطعية 1014 موظفًا أجاب نحو 41 في المئة منهم عن الاستبيان كاملًا ونحو 59 في المئة عنه بصورة شبه كاملة أو جزئية، وأجاب نحو 50 في المئة عن أسئلة الكياسة وعدم الكياسة المعروضة في الدراسة، واستكمل التحليل الكمي بإجابات مفتوحة كشفت عن معاني التجربة الذاتية لدى المشاركين، وجمعت الدراسة بين تقدير الانتشار الكمي خلال فترة زمنية محددة وبين استكشاف الكيفية التي يفسر بها العاملون أنفسهم مواقف الكياسة وعدم الكياسة التي يمرون بها في يوم عملهم، وبذلك لم تكتف الدراسة بعد مرات التعرض لهذه السلوكيات بل سعت إلى فهم مدلولها لدى من يتلقونها ويمارسونها في سياق تفاعلاتهم اليومية مع الزملاء والمديرين والعملاء
ثانيًا: أبرز النتائج
1، بلغ انتشار عدم الكياسة خلال الأسابيع الأربعة نحو 62 في المئة، وهي نسبة أدنى مما سجلته دراسات سابقة في قطاعات وبيئات أخرى
2، أظهرت التقييمات ثنائية الأبعاد وإجابات الأسئلة المفتوحة أن بناءي الكياسة وعدم الكياسة يمكن تفسيرهما بصورة أكثر دقة وتنويعًا مما تتيحه القياسات أحادية البعد
3، تبين أن ارتباط الكياسة أو عدم الكياسة غالبًا أو في المتوسط بتجارب إيجابية أو سلبية لا يعني بالضرورة انطباق ذلك على كل فرد، فقد يعيش بعض العاملين التجربة ذاتها بمعان مختلفة
4، أكدت الإجابات المفتوحة أن سياق الموقف وعلاقة الأطراف وقصد الفاعل كما يدركه الموظف كلها عوامل تغير معنى السلوك الواحد من كياسة محمودة إلى تدخل غير مرحب به أو العكس
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج دلالات مهمة لكل من البحث العلمي والممارسة المهنية، فعلميًا تؤكد ضرورة استخدام تقييمات ثنائية الأبعاد للوصول إلى استنتاجات أدق وأكثر إنصافًا، ومهنيًا تنبه إلى أن استخدام نتائج التقييمات أساسًا لجهود منهجية لضمان بيئات عمل جيدة وصحية يتطلب حوارات حقيقية داخل المنظمات لفهم المعنى الفعلي لما تقيسه الأدوات، بدل الانطلاق من تصورات مسبقة قد تقود إلى إجراءات غير ملائمة، وهي رسالة تصلح للمنظمات العربية أيضًا حيث تنتشر استبيانات رضا العاملين ومناخ العمل دون أن يصاحبها دائمًا فهم معمق لدلالات نتائجها، فيظل إشراك العاملين أنفسهم في تفسير ما تعنيه الأرقام شرطًا لتحويل التقييم من وثيقة إدارية عابرة إلى أداة تعلم تنظيمي حقيقية ومستدامة
وخلاصة القول إن الكياسة وعدم الكياسة في العمل بناءان أكثر تنويعًا مما توحي به القياسات التقليدية، وأن التقييمات ثنائية الأبعاد مقرونة بالحوار التنظيمي الصادق تقدم أساسًا أرصن لفهم بيئة العمل وتحسينها بما يلائم تجارب العاملين الفعلية لا افتراضات الباحثين عنها








