تعتمد نزاهة الأدبيات العلمية على شفافية التأليف وعلى التواصل الأصيل الذي ينقل نتائج البحث بأمانة، وقد أطلق في نوفمبر من عام 2022 نظام شات جي بي تي فقدم للباحثين مساعدة كتابية قوية مدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تكون في طريقها إلى تغيير كيفية صياغة الباحثين في طب الأسنان لمخطوطاتهم العلمية، غير أن الأدلة المنهجية التي توثق هذا التحول وآثاره في نزاهة البحث ما تزال محدودة، إذ ثبت أن أدوات الكشف التقليدية والمسوحات المعتمدة على الإبلاغ الذاتي غير موثوقة، ما يستدعي مناهج بديلة لتقييم أثر الذكاء الاصطناعي في الأدبيات المنشورة تقييمًا موضوعيًا قابلًا للقياس
وتحتل ملخصات الأبحاث موقعًا خاصًا في هذا النقاش لأنها الواجهة الأولى لأي دراسة والجزء الأكثر قراءة وانتشارًا منها، فأي تحول لغوي يطرأ عليها يعكس تحولًا في ممارسات الكتابة ذاتها لا في عروضها الثانوية، كما أن طب الأسنان مجال سريري نشط بحثيًا تتقاطع فيه الممارسة السريرية مع البحث الأكاديمي، ما يجعله مرآة صالحة لرصد أثر أدوات الكتابة الذكية في التخصصات الصحية عمومًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى كشف التغيرات اللغوية في ملخصات طب الأسنان العلمية وتقديرها كميًا عبر مقارنة فترة ما قبل شات جي بي تي ممثلة بعام 2021 بفترة ما بعده ممثلة بعام 2025، بما يقدم أدلة تجريبية على أنماط تبني الذكاء الاصطناعي وآثاره في نزاهة التواصل العلمي، وحلل الباحثون 2770 ملخصًا من ست مجلات كبرى في طب الأسنان باستخدام تحليل لغوي قائم على المفردات، وباتباع مناهج اللغويات الحاسوبية الموثقة في أدبيات الطب الحيوي استخرجت ست سمات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي وحسبت درجات كشف مركبة لكل ملخص، ويتميز هذا النهج الرصدي القائم على النص بأنه يتجنب تحيز الإبلاغ ويقدم أدلة قابلة للقياس الكمي على التحولات اللغوية
ثانيًا: أبرز النتائج
1، ازدادت درجات كشف الذكاء الاصطناعي ازديادًا دالًا في جميع المجلات إذ ارتفع متوسطها من 12.01 إلى 14.46 أي بنسبة 20.4 في المئة، وتراوحت الزيادات في المجلات منفردة بين 10.0 و34.5 في المئة، 2، ارتفع متوسط عدد كلمات علامات الذكاء الاصطناعي في الملخص الواحد من 0.69 إلى 0.97 أي بنسبة 41.1 في المئة، 3، ازدادت الملخصات عالية الاشتباه التي بلغت درجتها عشرين فأكثر من 18.0 في المئة من الملخصات إلى 25.8 في المئة أي بنسبة 43 في المئة، 4، جاءت التغيرات متسقة عبر تخصصات المجلات ومواقعها الجغرافية ومعاملات تأثيرها بما يشير إلى تبن واسع النطاق على مستوى المجال برمته، ولم تقتصر الزيادة على مجلات بعينها دون غيرها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبين هذه النتائج أن الكتابة العلمية في طب الأسنان شهدت تغيرات لغوية قابلة للقياس تتزامن مع الانتشار الواسع لتوافر أدوات الذكاء الاصطناعي، وأن اتساق هذه التغيرات وحجمها يثيران أسئلة جوهرية حول الشفافية في استخدام الذكاء الاصطناعي عند كتابة المخطوطات، وحول الحفاظ على صوت المؤلف الأصيل وعلى نزاهة التواصل العلمي، إذ يصعب على القراء والمحكمين التمييز بين النص البشري والنص المعان بالذكاء الاصطناعي ما لم يفصح المؤلفون عن استخدامهم له، وتقدم النتائج أساسًا تجريبيًا لسياسات قائمة على الأدلة بشأن الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي واستخدامه المناسب في النشر الأكاديمي، وهي سياسات تستند إلى تغيرات مرصودة فعليًا في التواصل العلمي لا إلى مخاوف افتراضية، ويستفيد الباحثون العرب وطلاب الدراسات العليا من هذه الدراسة في إدراك أهمية الإفصاح عن أي مساعدة من الذكاء الاصطناعي عند إعداد مخطوطاتهم للنشر الدولي، وتزداد أهمية هذه السياسات مع تسارع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي واتساع استخدامها اليومي
وخلاصة القول إن الدراسة تقدم توثيقًا كميًا نادرًا لتحول لغوي يمر به الأدب العلمي في عصر النماذج اللغوية الكبيرة، وتدعو مجتمع البحث ومحرري المجلات إلى التعامل مع حضور الذكاء الاصطناعي في الكتابة العلمية بوصفه واقعًا متناميًا يستلزم قواعد واضحة للإفصاح والاستخدام المسؤول لا تجاهلًا ولا إنكارًا، بما يحفظ للأدب العلمي مصداقيته وللمؤلفين أصواتهم المميزة








