أصبح الاستخدام الإشكالي للهواتف الذكية مصدر قلق متنامٍ لدى الشباب الجامعي في أنحاء العالم، إذ تتقاطع ساعات الاستخدام المفرط مع الواجبات الدراسية والنوم والعلاقات الاجتماعية، وربطت أدلة متزايدة هذا الاستخدام بنواتج سلبية على الصحة النفسية، غير أن البحث في كيفية تعديل عوامل الحماية مثل الصمود النفسي للعلاقة بين إدمان الهاتف وأعراض اضطراب ما بعد الصدمة ما يزال محدودًا، وقد ازداد هذا القلق بعد أن تحول الهاتف الذكي إلى بوابة رئيسة للتواصل والترفيه والتعلم فأصبح الانفصال عنه مصدر توتر لدى شريحة واسعة من الشباب، ومع تنامي اعتماد الجامعات على المنصات الرقمية في التعلم والتواصل يزداد التداخل بين الحياة الأكاديمية والحياة الرقمية عمقًا ويصعب معه فصل آثار كل منهما عن الأخرى
يحتل طلاب الجامعات موضعًا خاصًا في هذه المعادلة لأن كثيرين منهم تعرضوا لخبرات صادمة سابقة بينما يعيشون في الوقت ذاته أعلى معدلات الانغماس الرقمي، فإذا كان الصمود النفسي يمثل قدرة الفرد على التكيف مع الشدائد واستعادة توازنه بعدها، فإن فهم ما إذا كان يخفف من وطأة أعراض الصدمة المرتبطة بالاستخدام الإشكالي للهاتف يفتح بابًا لتدخلات وقائية واقعية داخل الحرم الجامعي، ومن هنا جاءت هذه الدراسة لاختبار هذه العلاقة لدى طلاب جامعة جنوب أفريقية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
شارك في الدراسة 491 طالبًا مسجلين في جامعة بمقاطعة كيب الغربية في جنوب أفريقيا وبلغ متوسط أعمارهم 21.22 عامًا، وأكمل المشاركون ثلاثة مقاييس معيارية هي مقياس إدمان الهواتف الذكية المعتمد على التطبيقات، ومقياس كونر وديفيدسون للصمود النفسي في نسخته المختصرة ذات البنود العشرة، وقائمة اضطراب ما بعد الصدمة الموافقة للدليل التشخيصي والإحصائي الخامس للاضطرابات النفسية، وأجريت تحليلات الاعتدال باستخدام أداة بروسيس الإحصائية لفحص ما إذا كان الصمود يعدل الارتباط بين إدمان الهاتف وأعراض ضغط ما بعد الصدمة، وتوزعت الأعراض المقاسة على عناقيد إعادة المعايشة والتجنب والتغيرات السلبية في الإدراك والمزاج والاستثارة المفرطة بما يوافق التصنيف التشخيصي المعتمد
ثانيًا: أبرز النتائج
1، ارتبطت المستويات الأعلى من إدمان الهواتف الذكية ارتباطًا دالًا بارتفاع أعراض اضطراب ما بعد الصدمة عبر جميع عناقيد الأعراض دون استثناء، بما يؤكد أن الاستخدام الإشكالي للهاتف ليس عادة محايدة لدى الطلاب المعرضين للصدمات
2، برز الصمود النفسي عامل حماية دالًا، فقد مارس آثارًا مباشرة في عدد من عناقيد أعراض الصدمة، وعدّل الارتباط بين إدمان الهاتف وكل من عنقود التجنب وعنقود التغيرات السلبية في الإدراك والمزاج، فأضعف أثر الإدمان فيهما عند ارتفاع مستويات الصمود
3، لم يعدل الصمود بصورة دالة العلاقة بين إدمان الهاتف وعنقودي إعادة معايشة الخبرة الصادمة والاستثارة المفرطة، وهو ما يوحي بأن هذه الجوانب ذات الدفع الفسيولوجي من الضيق التالي للصدمة أقل قابلية للتأثر بموارد التكيف المعرفية والانفعالية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز هذه النتائج الصمود النفسي حاجزًا أساسيًا في العلاقة بين الاستخدام الإشكالي للهواتف الذكية والضيق المرتبط بالصدمة، فتقوية الصمود قد تخفف من الأبعاد المعرفية والوجدانية لأعراض اضطراب ما بعد الصدمة المرتبطة بالإفراط في استخدام الهاتف، غير أن التدخلات الفعالة ينبغي أن تتضمن استراتيجيات إضافية موجهة إلى أعراض الاستثارة المفرطة وإعادة المعايشة الاقتحامية لدى الطلاب المعرضين للصدمات، ويمكن لخدمات الإرشاد النفسي الجامعي أن تستثمر هذه النتائج في تصميم برامج تجمع بين تنظيم الاستخدام الرقمي وتنمية الصمود والتدريب على تهدئة الاستثارة الجسمية في مسار علاجي واحد متكامل يراعي خصوصية الطلاب المعرضين للصدمات، ويستفيد الباحثون في الإرشاد النفسي وعلم النفس الإكلينيكي من هذا التفريق الدقيق بين العناقيد في بناء دراسات لاحقة تفحص التدخلات الموجهة لكل عنقود على حدة
وخلاصة القول إن بناء الصمود النفسي لدى طلاب الجامعات يمثل مدخلًا واعدًا للحد من الأعباء النفسية المصاحبة لإدمان الهواتف الذكية، مع ضرورة استكماله بتدخلات متخصصة تعالج الجوانب الفسيولوجية من أعراض الصدمة التي لا يطالها الصمود وحده








