تتطور المواطنة الديمقراطية باستمرار تحت تأثير السياقات السياسية والاجتماعية والإعلامية المتغيرة، وقد عايش المواطنون الرقميون، وهم الذين بلغوا الرشد في بيئات تتغلغل فيها التقنيات الرقمية في الحياة اليومية، تجربة مواطنة مختلفة بصورة ملحوظة عن تجارب الأجيال السابقة، إذ وسع الإنترنت رصيد السلوكيات التشاركية المتاحة أمامهم، من التعبير والنشر إلى التنظيم والاحتجاج والمتابعة الخبرية، وغيرت في الوقت نفسه توقعاتهم من المؤسسات ومن بعضهم بعضًا بوصفهم مواطنين يطالبون بأنماط جديدة من التمثيل والمساءلة
غير أن البحوث القائمة واجهت صعوبة في الإحاطة بتعقيد المواطنة المعاصرة، إذ غالبًا ما اختزلتها في ثنائية المواطن النشط والمواطن السلبي، بينما تتوزع ممارسات المواطنين الفعلية على أشكال متعددة ومتداخلة من الانخراط التعبيري والتلقي، عبر سياقات الاتصال وعدمه، وهو ما يستدعي أطرًا نظرية وأدوات قياس قادرة على التقاط هذا التعدد والتمايز بين أنماط المواطنة
وتقدم نظرية الأنظمة التداولية عدسة مناسبة لهذا الفهم، إذ تنظر إلى الديمقراطية بوصفها نظامًا موزعًا تتبادل فيه المواقع والفاعلون الأدوار في إنتاج النقاش العام وتداوله، فلا تنحصر المواطنة في فعل التصويت أو الاحتجاج، بل تشمل المتابعة والاستماع والحكم على الخطاب، وهي وظائف قد تبدو صامتة لكنها جزء من بنية التداول الديمقراطي ذاته
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تطوير استكشاف دقيق لتوجهات المواطنة لدى المواطنين الرقميين النرويجيين، مستندة إلى نظرية الأنظمة التداولية وإطار ثلاثي للمواطنة يفحص التوقعات المعيارية والسلوكيات والاتجاهات، واعتمدت استبانة مبتكرة وتحليل الملامح الكامنة لبيانات مسحية من مواطنين رقميين نرويجيين تراوحت أعمارهم بين الثامنة عشرة والأربعين، بما أتاح تصنيف المستجيبين في أنماط متميزة تجمع بين أبعاد المواطنة الثلاثة بدل قياس كل بعد منعزلًا عن غيره، ويتيح تحليل الملامح الكامنة تجاوز المتوسطات العامة إلى تحديد جماعات فرعية تتقاسم تشكيلات مميزة من التوقعات والسلوكيات والاتجاهات، فتظهر المواطنة بوصفها ظاهرة متعددة الأوجه تتجلى في صور مختلفة لدى فئات مختلفة من المواطنين
ثانيًا: أبرز النتائج
1، حدد التحليل سبعة أنماط متميزة للمواطنة تكشف الطبيعة متعددة الأبعاد للمواطنة المعاصرة لدى المواطنين الرقميين النرويجيين، وتتمايز هذه الأنماط في تشكيلاتها من التوقعات المعيارية والسلوكيات والاتجاهات، بما يعكس تنوع الطرق التي يفهم بها المواطنون الرقميون أدوارهم ويمارسونها
2، تتجاوز النتائج التمييزات الثنائية بين المواطنة النشطة والسلبية، مؤكدة أهمية السلوكيات التعبيرية والتلقية معًا عبر سياقات الاتصال وعدم الاتصال
3، يؤدي المواطنون أدوارًا متنوعة في استدامة العمليات الديمقراطية، عبر أشكال انخراط متباينة ومتكافلة، لا عبر قالب واحد للمشاركة المثالية، وكثيرًا ما يتنقل الفرد الواحد بين هذه الأدوار بحسب القضية والسياق والمنصة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة رؤى جديدة حول المواطنة في العصر الرقمي، إذ تبين أن حيوية النظام الديمقراطي لا تعتمد على نمط واحد من المواطنين، بل على منظومة أدوار متكاملة يؤديها مواطنون مختلفي التوجهات، بعضهم يعبر وينتج وبعضهم يتابع ويتلقى ويقيم، وينبه هذا المنظور صناع السياسات والمؤسسات المدنية إلى ضرورة مخاطبة المواطنين بأنماط انخراطهم المختلفة، لا افتراض جمهور متجانس يستجيب لرسالة واحدة، ويستفيد الباحثون العرب وطلاب الدراسات العليا في العلوم السياسية والإعلام من هذا الإطار الثلاثي في دراسة توجهات المواطنة لدى الشباب العربي في البيئات الرقمية، حيث تتقاطع التوقعات المعيارية مع سلوكيات المشاركة عبر المنصات واتجاهات الثقة بالمؤسسات، وحيث تبرز الحاجة إلى أدوات قياس عربية تراعي الخصوصيات السياسية والثقافية المحلية
وتتقاطع هذه النتيجة مع نقاشات أوسع حول أزمة التمثيل الديمقراطي وثقة المواطنين بالمؤسسات، إذ قد يعكس بعض أنماط المواطنة الهادئة انخراطًا تأمليًا لا عزوفًا، بينما قد يخفي بعض أنماط النشاط الظاهر هشاشة في الالتزام الفعلي بالعمليات الديمقراطية الطويلة
وخلاصة القول إن فهم المواطنة المعاصرة يقتضي النظر إليها بوصفها منظومة توجهات متعددة تتشكل عند تقاطع القيم والسلوك والاتجاه، لا مقياسًا أحاديًا لدرجة النشاط السياسي، كما يقتضي تجديد أدوات البحث ذاتها، من استبانات ترصد التعبير والتلقي معًا، إلى تحليلات تصنيفية تحترم تنوع المواطنين بدل اختزالهم في متوسطات عامة








