لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي فضاء للبالغين وحدهم، إذ صار الأطفال أنفسهم صانعي محتوى ومؤثرين يتابعهم جمهور واسع، وتتجسد في شخصياتهم العامة أعراف ثقافية محلية يؤدونها ويعيدون إنتاجها لبناء حضورهم الرقمي والحفاظ عليه، وتثير هذه الظاهرة أسئلة حول الطفولة والعمل والمسؤولية في البيئة الرقمية، ولا سيما في مجتمعات تحكمها قيم تقليدية راسخة حول الأسرة والدراسة وبر الوالدين
وفي فيتنام تتشكل الطفولة بقيم تقليدية تحتفي بالاجتهاد الأكاديمي وتجعله معيارًا لقيمة الطفل ومكانته داخل الأسرة والمجتمع، ومن ثم لا يمكن فهم ظاهرة المؤثرين الأطفال هناك بمعزل عن هذه المنظومة القيمية، إذ يتوقع الجمهور من الطفل المؤثر سلوكًا ومحتوى يعكسان هذه القيم، ويكافئه على الالتزام بها بالمشاهدة والمتابعة والدعم
وتتصل هذه الظاهرة بجدل عالمي متصاعد حول عمل الأطفال في الاقتصاد الرقمي، إذ تتيح المنصات لأصحاب القنوات تحقيق دخل من الإعلانات والرعايات، فتتحول أنشطة كانت تعد لهوًا وتعبيرًا إلى عمل منتج للدخل، ويصعب مع ذلك ضبط حدود هذا العمل بساعات أو أجور أو حماية قانونية، لاختلافه عن أشكال عمل الأطفال التقليدية ووقوعه غالبًا داخل الأسرة وتحت إشرافها المباشر
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص دلالات المؤثرين الأطفال الفيتناميين، مركزة على كيفية تجسيدهم للأعراف الثقافية المحلية وأدائها لبناء شخصياتهم على منصات التواصل الاجتماعي والحفاظ عليها، واعتمدت مناهج إثنوغرافية رقمية، ودرست حالتين، أولاهما طفلة صانعة محتوى على يوتيوب، وثانيتهما باث مباشر بالغ يشيع اعتباره خطأ طفلًا في العاشرة من عمره، بما يتيح مقارنة كاشفة بين الطفولة الفعلية والطفولة المدركة جماهيريًا، وتتبع هذا الفحص الإثنوغرافي المحتوى المنشور وأنماط تفاعل الجمهور معه، وصولًا إلى استخلاص التوقعات الثقافية التي تحكم صناعة شخصية الطفل المؤثر واستمرارها، وتكمن قيمة المقارنة بين الحالتين في إبراز أن الطفولة على المنصات ليست معطى عمريًا فحسب، بل بناء اجتماعي وثقافي يتشكل عبر الأداء والتوقع والتفاعل الرقمي
ثانيًا: أبرز النتائج
1، تشكل المثل الثقافية المتصلة ببر الوالدين متمثلًا في الاجتهاد الدراسي، وأداءات اللطافة والظرافة، توقعات الجمهور من المؤثرين الأطفال الفيتناميين
2، يتوقع من المؤثرين الأطفال أن يكونوا مجتهدين دراسيًا أو أن يقدموا محتوى متصلًا بالدراسة، وأن يكونوا لطفاء محببين في أدائهم العام
3، مع فرص تحقيق الدخل التي توفرها المنصات، قد يتحمل المؤثرون الأطفال مسؤولية أن يكونوا داعمين ماليين لأسرهم، وهي واجب لا يتوقع إلا من البالغين
4، بتحملهم هذه المسؤولية المالية يمدد المؤثرون الأطفال ممارسة بر الوالدين إلى ما وراء حدود الاجتهاد الدراسي وحده
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفتح هذه النتائج نقاشًا مهمًا حول حدود الطفولة في الاقتصاد الرقمي، إذ يعيد الدخل المتولد من المنصات توزيع الأدوار داخل الأسرة، ويحمل الطفل أعباء كانت حكرًا على الكبار، ويهم هذا الباحثين في دراسات الطفولة والإعلام الرقمي، ويستطيع الباحثون العرب وطلاب الدراسات العليا الاستفادة من هذا المنظور الثقافي في دراسة المؤثرين الأطفال في السياقات العربية، حيث تحضر بدورها قيم الاجتهاد الدراسي وبر الوالدين والتزامات الأسرة الممتدة، وحيث تتزايد الحاجة إلى أطر تنظيمية وأخلاقية تحمي الأطفال المؤثرين من الاستغلال التجاري وتحفظ حقهم في الطفولة والتعليم، وتضمن ألا يتحول حضورهم الرقمي إلى عبء نفسي أو اجتماعي ممتد
وتبرز هنا مفارقة تستحق التأمل، فالقيم ذاتها التي تمنح الطفل المؤثر قبولًا جماهيريًا وتحميه اجتماعيًا قد تحمله في الوقت نفسه أعباء تفوق عمره، حين تتحول صورته المجتهدة اللطيفة إلى واجهة لعمل تجاري يدر دخلًا على الأسرة بأكملها، وهو ما يطرح أسئلة عن رضا الطفل وقدرته على الاعتراض أو الانسحاب من هذا الحضور العام
وخلاصة القول إن المؤثر الطفل في فيتنام ليس مجرد صانع محتوى صغير، بل مرآة لقيم مجتمعه وتوقعاته، وساحة تتفاوض فيها الطفولة مع السوق والأسرة في آن واحد، وتستدعي هذه الخاتمة مزيدًا من البحث المقارن عبر الثقافات حول كيفية تشكيل القيم المحلية لتجارب الأطفال في المنصات العالمية








