تُعدّ برامج إعداد المعلمين المدخل الأساسي الذي يتشكل عبره المعلمون قبل الخدمة مهنيًا وتربويًا، ففيها يكتسبون المعارف والمهارات والقيم التي ستحكم ممارساتهم داخل الفصول الدراسية لسنوات مقبلة، ويتناول هذا المقال دراسة نوعية بحثت في الكيفية التي أدام بها أحد برامج إعداد المعلمين هيمنة الثقافة البيضاء والعنصرية في بنيته وممارساته، وفي أثر هذه البنى في تجارب الطلاب المعلمين قبل الخدمة من ذوي البشرة الملونة، وينطلق المقال من إطار نظري يستند إلى الواقعية العرقية كما صاغها المفكر ديريك بيل، وهي رؤية تقرّ بأن العنصرية ظاهرة دائمة في المؤسسات لا مجرد انحراف عابر يمكن استئصاله بإجراءات سطحية، ويهمّ هذا الموضوع الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في التربية لأنه يفتح بابًا لمساءلة برامج إعداد المعلمين في مختلف السياقات عن مدى عدالتها وإنصافها لجميع الطلاب على اختلاف خلفياتهم الثقافية والاجتماعية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص الكيفية التي أعاد بها برنامج إعداد المعلمين إنتاج هيمنة البياض والعنصرية عبر سياساته وممارساته اليومية، وإلى فهم تجارب الطلاب المعلمين قبل الخدمة من ذوي البشرة الملونة داخل هذا البرنامج وسبل مقاومتهم لهذه البنى، واعتمدت الدراسة منهجية نسوية عرقية نقدية تعتمد على جلسات حوار جماعية تشاركية أُجريت مع دفعتين من الطلاب الملتحقين بمسار معلمي المستقبل من ذوي البشرة الملونة على مدى عامين دراسيين متتاليين، وأتاحت هذه الجلسات للمشاركين مساحة جماعية آمنة لسرد تجاربهم ومناقشتها بعمق والبناء عليها جماعيًا، ثم حُلّلت البيانات في ضوء مفاهيم الواقعية العرقية والمنهجية النسوية العرقية النقدية التي تنطلق من تجارب الفئات المهمشة وتنتج المعرفة من داخل معاناتها ومقاومتها اليومية
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت النتائج أن برنامج إعداد المعلمين عزّز هيمنة البياض والعنصرية عبر التراجع عن التربويات النقدية والثقافية التي كانت تمنح قضايا العدالة والتنوع مكانة مركزية في المقررات والأنشطة، فتقلّص الحضور الفعلي لهذه القضايا لصالح مقاربات تقليدية تبدو محايدة في ظاهرها
2، كشفت الدراسة أن جهود التنوع والعدالة والشمول داخل البرنامج اتسمت بالطابع الأدائي الشكلي، إذ ظهرت في الخطاب والشعارات أكثر مما ظهرت في السياسات والممارسات الفعلية، فبدت المنظومة وكأنها تحتفي بالتنوع بينما تستمر بناها العميقة دون تغيير حقيقي
3، رصدت الدراسة حضورًا لمعاداة السود داخل البرنامج بوصفها أحد أوجه العنصرية المؤسسية، وهي صورة تتجلى في أنماط التعامل والتمثيل والتوقعات المفروضة على الطلاب المعلمين من ذوي البشرة الملونة مقارنة بزملائهم داخل البيئة الجامعية
4، اختبر الطلاب المعلمون من ذوي البشرة الملونة مشاعر كبيرة من العزلة داخل البرنامج، وتعرضوا للإقصاء وتجاهل أصواتهم وخبراتهم، كما تحمّلوا أعباء إضافية لا تُفرض على غيرهم، مثل تمثيل جماعاتهم العرقية وشرح قضاياهم مرارًا داخل القاعات الدراسية
5، أظهرت النتائج أن هؤلاء الطلاب لم يكونوا متلقين سلبيين لهذه الأوضاع، بل قاوموها عبر بناء مجتمع داعم فيما بينهم، ووجدوا في الجماعة مصدرًا للتعافي الجماعي وتبادل الخبرة والمساندة النفسية والمهنية طوال سنوات إعدادهم
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه الدراسة دلالات مهمة لبرامج إعداد المعلمين في مختلف السياقات، إذ تؤكد أن تحقيق العدالة داخل برامج الإعداد لا يتحقق بالشعارات ولا بالمبادرات الموضعية، بل يستلزم مراجعة عميقة للمناهج والسياسات وثقافة المؤسسة ذاتها، كما تبرز الدراسة أهمية توفير مجتمعات مهنية داعمة للطلاب المعلمين من الخلفيات المهمشة تحميهم من العزلة وتمنحهم صوتًا مسموعًا في تطوير البرامج، وتفيد هذه النتائج مصممي برامج إعداد المعلمين وصنّاع السياسات التعليمية ممن يطمحون إلى بناء بيئات إعداد منصفة فعلًا، كما تفيد الباحثين في الدراسات العليا ممن يدرسون قضايا العدالة والهوية والتنوع في التعليم، إذ تقدّم الدراسة إطارًا نظريًا ومنهجيًا يمكن الإفادة منه في فحص سياقات تعليمية أخرى تنشأ فيها فوارق مشابهة بين الطلاب على أسس ثقافية أو اجتماعية
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تسلّط الضوء على ديمومة العنصرية بوصفها بنية مؤسسية داخل برامج إعداد المعلمين لا مجرد حوادث فردية عابرة، وتوضح أن الطلاب المعلمين من ذوي البشرة الملونة يواجهون العزلة والإقصاء وأعباء مضاعفة، لكنهم في المقابل يبنون مجتمعات مقاومة وتعافٍ جماعي، وتدعو الدراسة إلى مواجهة صادقة مع هذه الحقيقة بدل إنكارها، لأن الاعتراف بديمومة المشكلة هو الخطوة الأولى نحو دعم حقيقي لمعلمي المستقبل من جميع الخلفيات وبناء برامج إعداد أكثر عدلًا وإنصافًا








