يتشكل جانب مؤثر من خبرة الطلاب في حصص التربية البدنية عبر المناخ الدافعي الذي يصنعه المعلم داخل الحصة، فحين يؤكد المعلم على الجهد المبذول والتحسن الذاتي والتعاون بين الطلاب ينشأ مناخ ممكن يدعم الشعور بالكفاءة والانتماء، وحين تغلب المقارنة بين الطلاب وإبراز الأخطاء والتمييز الظاهر ينشأ مناخ مثبط يهدد صورة الطالب أمام أقرانه، وترتبط هذه المناخات بمتغيرات نفسية حساسة في مرحلة المراهقة كتقدير الذات وقلق المظهر الاجتماعي، وهو قلق ينشأ من خشية أن يحكم الآخرون سلبًا على الجسد والمظهر
وعلى الرغم من وفرة الدراسات حول المناخات الدافعية في التربية البدنية، ما تزال الفروق بين الجنسين في إدراك هذه المناخات وفي صلتها بتقديم الذات بحاجة إلى فحص أدق، إذ يحتمل أن يعيش الطلاب والطالبات المناخ نفسه بطرائق مختلفة وأن تترتب عليه آثار نفسية متباينة، ومن هنا تنبع أهمية هذه الدراسة التي اختبرت هذه العلاقات لدى عينة كبيرة من طلاب المدارس الثانوية وقارنت بين الجنسين بأسلوب نمذجة متقدم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
استندت الدراسة إلى المقاربة الهرمية للمناخات الدافعية الممكنة والمثبطة، وهدفت إلى فحص الفروق بين الجنسين في إدراك الطلاب لهذه المناخات وفي تقدير الذات وقلق المظهر الاجتماعي في سياق التربية البدنية، وإلى تحليل ارتباطات المناخات الممكنة والمثبطة بهذه النواتج المتصلة بتقديم الذات لدى الذكور والإناث كلًا على حدة، وشملت العينة 2438 طالبًا وطالبة من طلاب التربية البدنية في إسبانيا بمتوسط عمر قدره 16.15 عامًا وانحراف معياري 2.01، وشكلت الإناث نسبة 50.74 في المئة من العينة، واعتمدت الدراسة تصميمًا مقطعيًا واستخدمت نمذجة المعادلات البنائية متعددة المجموعات للإجابة عن أهدافها
ثانيًا: أبرز النتائج
1، سجلت الطالبات درجات أعلى بصورة دالة إحصائيًا من الطلاب في تقدير الذات السلبي وفي قلق المظهر الاجتماعي
2، أظهرت نمذجة المعادلات البنائية متعددة المجموعات معاملات أعلى قليلًا لدى الذكور في الارتباط بين المناخ الممكن وتقدير الذات الإيجابي، وبين المناخ المثبط وتقدير الذات السلبي
3، جاء معامل الارتباط بين تقدير الذات السلبي وقلق المظهر الاجتماعي أعلى لدى الذكور منه لدى الإناث
4، جاء معامل الارتباط العكسي بين تقدير الذات الإيجابي وقلق المظهر الاجتماعي أعلى لدى الإناث منه لدى الذكور
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد النتائج الرئيسة أهمية أن يحرص معلمو التربية البدنية على صناعة مناخات ممكنة داخل الحصة، من خلال تقدير الجهد والتحسن الفردي وإتاحة الخيارات ودعم التعاون، وأن يتجنبوا الممارسات المثبطة كالمقارنات العلنية وإبراز أخطاء الطلاب الأقل مهارة، نظرًا لارتباط هذه المناخات بتقدير الذات الإيجابي وبقلق المظهر الاجتماعي لدى الطلاب والطالبات معًا، مع انتباه خاص إلى حساسية الطالبات الأعلى تجاه قلق المظهر وتقدير الذات السلبي، وتفيد هذه الدلالات الباحثين العرب في التربية الرياضية وعلم النفس الرياضي عند دراسة بيئة الحصص الرياضية في المدارس العربية، كما توجه برامج إعداد المعلمين وتدريبهم نحو ممارسات دافعية داعمة تحمي الصورة الذاتية للمراهقين وتعزز مشاركتهم الآمنة في النشاط البدني
وتنسجم هذه الصورة مع أدبيات دافعية التحصيل التي تميز بين بيئات التعلم الداعمة للاستقلالية والكفاءة وبين البيئات الضابطة المولدة للقلق، فالمناخ الذي يدركه الطالب يوميًا في الحصة قد يتحول بمرور الوقت إلى جزء من صورته عن ذاته وقدراته الجسدية والاجتماعية، ومن هنا فإن قياس المناخ الدافعي بصورة دورية في المدارس يمكن أن يزود المعلمين والمشرفين بمؤشرات مبكرة عن صحة البيئة النفسية للحصة قبل أن تتجلى آثارها السلبية في انسحاب الطلاب من النشاط البدني أو نفورهم الممتد منه
وخلاصة القول إن المناخ الدافعي في حصص التربية البدنية ليس تفصيلًا تنظيميًا عابرًا بل عامل نفسي مؤثر في كيفية رؤية المراهقين لأنفسهم وأجسادهم، وإن بناء مناخات ممكنة وتجنب المناخات المثبطة يمثلان مدخلًا عمليًا لحماية تقدير الذات وخفض قلق المظهر الاجتماعي لدى الطلاب والطالبات، مع مراعاة الفروق الدقيقة بين الجنسين التي كشفتها الدراسة








