تقع مسؤولية رعاية مرضى السكتة الدماغية بعد العلاج على أفراد الأسرة في العادة، غير أن حدوث السكتة الإقفارية الأولى يأتي مفاجئًا في الغالب، فيجد مقدمو الرعاية الأساسيون أنفسهم، وهم غالبًا الأزواج أو الأبناء البالغون أو أقارب غير مهنيين، أمام مسؤولية جديدة دون استعداد نفسي أو خبرة سابقة في الرعاية، ويرتبط بهذا الوضع مستوى مرتفع من عدم اليقين تجاه المرض ومساره ومتطلباته، وهو عدم يقين قد يضعف ثقة مقدم الرعاية بنفسه ويحد من قدرته على أداء مهام الرعاية بكفاءة، الأمر الذي يستدعي فحص العوامل المرتبطة بقدرة الرعاية لدى هذه الفئة لدعمها وتخفيف أعبائها
ويتقاطع هذا الموضوع مع أولويات الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في التمريض وعلم النفس الصحي والخدمة الاجتماعية الطبية، فالأسر العربية تتحمل بدورها العبء الأكبر في رعاية مرضى السكتات الدماغية داخل المنزل، وفهم أدوار التكيف النفسي والدعم الاجتماعي يساعد على تصميم برامج دعم واقعية لمقدمي الرعاية في المستشفيات والمراكز الصحية العربية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص العوامل المرتبطة بقدرة الرعاية لدى مقدمي الرعاية الأساسيين لمرضى السكتة الدماغية الإقفارية الأولى، والكشف عن أدوار التكيف النفسي والدعم الاجتماعي المدرك في العلاقة بين عدم اليقين تجاه المرض وقدرة الرعاية، واستخدمت الدراسة مقاييس معيارية لتقييم عدم اليقين تجاه المرض والتكيف النفسي والدعم الاجتماعي المدرك وقدرة الرعاية لدى مقدمي الرعاية، وحللت الارتباطات بين هذه المتغيرات، واختبرت آثار الوساطة والتعديل للتحقق من المسارات المباشرة وغير المباشرة التي تربط عدم اليقين بقدرة الرعاية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج شبكة من العلاقات المباشرة وغير المباشرة بين متغيرات الدراسة، ويمكن عرض أبرزها في النقاط الآتية
1، ارتبط التكيف النفسي ارتباطًا إيجابيًا قويًا بقدرة الرعاية بمعامل ارتباط قدره 0.708 عند مستوى دلالة 0.01، كما ارتبط الدعم الاجتماعي المدرك إيجابيًا بقدرة الرعاية بمعامل ارتباط قدره 0.675 عند مستوى الدلالة ذاته
2، توسط التكيف النفسي جزئيًا العلاقة بين عدم اليقين تجاه المرض وقدرة الرعاية، إذ شكّل هذا المسار غير المباشر ما نسبته 29.98 في المئة من الأثر الكلي لعدم اليقين
3، عدّل الدعم الاجتماعي المدرك العلاقة بين عدم اليقين تجاه المرض والتكيف النفسي تعديلًا دالًا بمعامل قدره سالب 0.01 عند مستوى دلالة 0.001، فقد ظهرت العلاقة السلبية بين عدم اليقين والتكيف أقوى في مجموعة الدعم الاجتماعي المنخفض، بينما خفت هذه العلاقة في مجموعة الدعم المرتفع
4، ارتبط عدم اليقين تجاه المرض ارتباطًا سلبيًا بقدرة الرعاية بصورة مباشرة وبصورة غير مباشرة عبر التكيف النفسي معًا، بما يؤكد مركزية هذا المتغير في تجربة مقدم الرعاية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير دلالات الدراسة إلى أن التدخلات الداعمة لمقدمي الرعاية ينبغي أن تعمل على ثلاثة مسارات متوازية، وهي خفض عدم اليقين تجاه المرض عبر تثقيف واضح حول طبيعة السكتة ومسار التعافي ومهام الرعاية، وتعزيز التكيف النفسي لدى مقدم الرعاية بما يدعم ثقته وقدرته، وتقوية شبكات الدعم الاجتماعي المحيطة به بما يخفف من الأثر السلبي لعدم اليقين في تكيفه، ويمكن للممارسين في التمريض والصحة النفسية توظيف هذه النتائج في بناء برامج إرشاد وتدريب للأسر منذ المراحل الأولى لحدوث السكتة، مع متابعة مستمرة لاحتياجات مقدمي الرعاية وتقييم أعبائهم
وتندرج هذه الدراسة ضمن جهد بحثي متنام يهتم بعبء الرعاية غير الرسمية وأثره في صحة الأسر، إذ يقدم أفراد الأسرة ساعات طويلة من الرعاية غير مدفوعة الأجر لمرضى الحالات المزمنة والمفاجئة على السواء، وقد يتحول هذا الدور مع مرور الوقت إلى مصدر للإجهاد النفسي والجسدي والاجتماعي إن لم يصاحبه دعم مؤسسي ومجتمعي مناسب، ولذلك يعد قياس عدم اليقين والعوامل النفسية والاجتماعية المرتبطة به خطوة أساسية نحو تحويل الرعاية الأسرية من عبء فردي صامت إلى مسؤولية مدعومة بالمعرفة والخدمات الصحية والاجتماعية المنظمة
وخلاصة القول إن عدم اليقين تجاه المرض يضعف قدرة الرعاية لدى مقدمي الرعاية الأساسيين لمرضى السكتة الأولى مباشرة وعبر إضعاف التكيف النفسي، وإن الدعم الاجتماعي المدرك يخفف من حدة هذا الأثر، وهي نتائج توجه الباحثين والممارسين العرب إلى تصميم تدخلات أسرية متكاملة تراعي الجوانب المعرفية والنفسية والاجتماعية لتجربة الرعاية








